الفلك والعهد
نسل يبني اسماً لنفسه، ونسل يدعو باسم الرب، ثم اختلط الخطان. تكررت حركة السقوط الأولى: رأى، اشتهى، أخذ. وامتلأت الأرض ظلماً.
«وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب». بنى نوح الفلك على أرض جافة والناس يسخرون، ثم أغلق الرب عليه. الفلك صورة الكنيسة، والباب في جنبه صورة جنب المسيح المطعون، والطوفان صورة المعمودية.
ذكر الله نوحاً وسط المياه. عادت الحمامة بورقة زيتون، وبنى نوح مذبحاً، ووضع الله قوسه في السحاب علامة عهد. وحين ضعف نوح، ستره سام ويافث: المحبة تستر ولا تفضح.
١. صلاة الافتتاح
أيها الرب الإله، يا من لم تترك الإنسان حين فسدت الأرض أمامك، بل وجدتَ في وسط جيل منحرف رجلاً باراً اسمه نوح، فأعطيته نعمة في عينيك، وأغلقت عليه الفلك بيدك، وحفظته وسط المياه؛ نأتي إليك الآن طالبين أن تفتح عيون قلوبنا لنفهم كلمتك.
يا من ذكرتَ نوحاً وهو في وسط الطوفان، اذكرنا نحن أيضاً في وسط طوفان هذا العالم. ويا من أرسلت الحمامة تحمل غصن الزيتون، أرسل روحك القدوس علينا الآن ليعلّمنا ويثبّتنا في فلك خلاصك، كنيستك المقدسة.
بارك هذا الاجتماع وكل من حضر ليسمع كلمتك، بشفاعة والدة الإله القديسة العذراء مريم، وصلوات القديسين مار بطرس ومار أندراوس. آمين.
٢. مراجعة سريعة: ماذا رأينا في الجلسة الماضية؟
في جلستنا الماضية سمعنا سؤالين خرجا من فم الله: «أين أنت؟» لآدم الهارب، و«أين هابيل أخوك؟» لقايين القاتل. ورأينا الوعد قبل التأديب: نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية (تك ٣: ١٥). ثم رأينا نسلين يسيران في التاريخ: نسل قايين الذي بنى مدينة وصنع آلات وافتخر بالانتقام، ونسل شيث الذي قيل عنه: «حينئذ ابتُدئ أن يُدعى باسم الرب» (تك ٤: ٢٦).
وانتهينا بسلسلة الأجيال في الإصحاح الخامس، بإيقاعها الحزين «ومات... ومات»، وفي وسطها أخنوخ الذي «سار مع الله». وفي آخر الإصحاح ولد نوح، وقال أبوه لامك عند ولادته: «هذا يعزّينا عن عملنا وتعب أيدينا من قبل الأرض التي لعنها الرب» (تك ٥: ٢٩). واسم نوح يحمل معنى الراحة والعزاء. فمن طلب منكم أن يحضر معه اسماً واحداً من نسل شيث ومعناه، فليحتفظ به، سنحتاجه في الختام.
٣. مقدمة: قصة واحدة في أربعة إصحاحات
تخيّلوا رجلاً يبني سفينة ضخمة على أرض جافة، بعيداً عن أي بحر، سنة بعد سنة، والناس يمرّون ويضحكون. لم يرَ أحد طوفاناً من قبل، لكن هذا الرجل صدّق كلمة الله أكثر مما صدّق عينيه. هذا هو نوح. وقصته ليست قصة قديمة عن مياه وحيوانات فقط، بل هي قصتنا نحن: كيف يعيش إنسان مع الله في وسط عالم نسي الله؟ وكيف يدخل الإنسان إلى «فلك» الخلاص؟ وهذا الفلك، كما سنرى، هو الكنيسة التي دخلناها يوم معموديتنا.
الإصحاحات من السادس إلى التاسع قصة واحدة متصلة، ويمكن أن نلخصها في أربع كلمات:
ويلخص القمص تادرس يعقوب ملطي مقدمة الإصحاح السادس بقوله: «إن كان الموت قد دبّ في الجنس البشري إنما ليكشف عن موت خفي أكثر خطورة هو موت النفس الداخلي وفسادها، الأمر الذي ظهر في انسحاب قلب أولاد الله نحو بنات الناس وفساد الأرض» (تفسير سفر التكوين، الإصحاح السادس، ص ٨١ من الملف).
سنقف اليوم وقفة أطول من المعتاد عند الآيات الأربع الأولى من الإصحاح السادس، لأنها من أصعب نصوص سفر التكوين ويسأل عنها كثيرون: من هم «أبناء الله»؟ ومن هن «بنات الناس»؟ ثم نكمل قصة نوح والفلك والعهد.
٤. أولاً: أبناء الله وبنات الناس (تك ٦: ١-٤)
(أ) ما الذي يريد النص أن يكشفه لنا؟
في الإصحاحات السابقة رأينا خطين يسيران جنباً إلى جنب. في تكوين ٤ نسل قايين: مدينة تُبنى، وعنف يزداد، ولامك يفتخر بالانتقام. وفي تكوين ٥ نسل شيث، الذي قيل عنه: «حينئذ ابتُدئ أن يُدعى باسم الرب» (تك ٤: ٢٦).
نسل قايين (تكوين ٤): حضارة بلا الله
نسل شيث (تكوين ٤: ٢٥ – ٥): شعب يدعو باسم الرب
جملة الربط قبل تكوين ٦:
نسل يبني اسماً لنفسه، ونسل يدعو باسم الرب. ثم في تكوين ٦… اختلط الخطان.
ثم نصل إلى بداية الإصحاح السادس، فنجد أن هذا التمييز بدأ ينهار. لاحظوا ترتيب الأفعال: «رأوا... أنهن حسنات... فاتخذوا لأنفسهم... من كل ما اختاروا».
وهذا يذكّرنا بما حدث في الجنة: «فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل، وأنها بهجة للعيون... فأخذت من ثمرها وأكلت» (تك ٣: ٦).
الحركة نفسها تتكرر: رأى ← اشتهى ← أخذ.
فما بدأ في جنة عدن صار الآن نمطاً عاماً في حياة جيل كامل. المشكلة ليست مجرد زواج، بل أن الاختيار صار قائماً على ما تراه العين وعلى الرغبة الشخصية، لا على العلاقة مع الله. ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم بحسب مضمون المصدر إن العين لم تكن هي السبب في السقوط، بل إهمال الاختيار وترك الشهوة بلا لجام؛ فالعين خُلقت لكي نرى خلائق الله ونمجّد صانعها (العظة ٢٢ على سفر التكوين، الفقرة ٩).
(ب) من هم «أبناء الله»؟
التفسير الذي استقر عليه فكر الكنيسة هو أن «أبناء الله» هم نسل شيث الذين عاشوا في علاقة مع الله، و«بنات الناس» نساء من البيئة التي ابتعدت عن الله، وخصوصاً من نسل قايين.
وهو أيضاً رأي مفسرينا الأقباط:
فالحديث إذن عن أناس كانوا ينتمون إلى خط الإيمان، لكنهم بدأوا يتركون علاقتهم بالله ويختارون بحسب المظهر والرغبة. وهنا تبدأ مأساة الإصحاح السادس: لم يعد هناك نسل يعيش مع الله ونسل يعيش بعيداً عن الله، بل بدأ الاثنان يمتزجان، حتى قال الكتاب: «ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض» (تك ٦: ٥).
لماذا هذا التفسير متناسق مع السفر؟
ثلاث نقاط بسيطة تساعدنا:
أولاً: السياق. تكوين ٤ يعرض نسل قايين، وتكوين ٥ يعرض نسل شيث. فمن الطبيعي أن يبدأ تكوين ٦ بوصف ما حدث عندما اختلط الخطان روحياً.
ثانياً: لغة الكتاب. الكتاب نفسه يستخدم لغة البنوة لله عن البشر الذين ينتمون إليه ويعيشون معه (مز ٨٢: ٦؛ خر ٤: ٢٢).
ثالثاً: محور الإصحاح هو الإنسان. «لا يدين روحي في الإنسان... هو بشر» (ع ٣)، «ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر» (ع ٥)، «فحزن الرب أنه عمل الإنسان» (ع ٦). العقوبة كلها وقعت على الإنسان، ولم يُذكر الملائكة بكلمة.
ولهذا فالسؤال الأهم ليس: من كانوا بالضبط؟ بل: ماذا حدث لهم؟ كانوا أناساً ينتمون إلى الله، لكنهم سمحوا أن يكون معيار اختيارهم: «رأوا... فاتخذوا لأنفسهم... من كل ما اختاروا». وهنا يبدأ الانحدار.
٥. ثانياً: «وأما نوح فوجد نعمة» (تك ٦: ٥-٢٢)
هل يندم الله؟
كلمات «حزن» و«تأسف» لا تعني أن الله يتغير أو ينفعل كالإنسان. يقول القديس أغسطينوس كما ينقل القمص تادرس ملطي: «غضب الله ليس انفعالاً يعكّر صفاء عقله، إنما هو حكم خلاله تقع العقوبة على الخطية» (ص ٨٥ من الملف). ويقول ذهبي الفم إن الكتاب المقدس يشرح كل شيء مراعياً ضعفنا (العظة ٢٢، الفقرة ١٣، بحسب مضمون المصدر). فالله لم يتغير، بل نحن الذين تغيّرنا وابتعدنا عنه.
ويقول نيافة الأنبا بيشوي مطران دمياط إن عبارة «حزن الرب وتأسف في قلبه عبارة مجازية»، ثم يضيف ملاحظة معزية: «فالرب ندم أنه عمل الإنسان، ولكن من أجل نوح لم يندم»؛ لأن من نسل نوح سيأتي المسيح بحسب الجسد: «فمن ذا الذي يعزينا عن الأرض التي لعنها الرب ويرفع اللعنة سوى السيد المسيح الذي هو نوح الجديد» (كتاب «نوح البار»، ص ١٣-١٤).
نور صغير في ظلام كبير
وسط هذه الصورة المظلمة كلمة واحدة: «وأما نوح». يقول القمص تادرس ملطي: «في وسط الظلام الدامس لا يتجاهل إشراقة جميلة مهما بدت صغيرة وباهتة، وفي كل جيل يفرح الله بقديسيه ولو كانوا بقية قليلة» (ص ٨٦ من الملف). ويلاحظ أن عبارة «كاملاً في أجياله» تعني أن بره نسبي مقارنة بجيله. ويقول الكتاب: «بالإيمان نوح لما أوحي إليه عن أمور لم تُرَ بعد خاف، فبنى فلكاً لخلاص بيته» (عب ١١: ٧).
ولاحظوا الترتيب: «وجد نعمة» أولاً، ثم «كان باراً». النعمة تسبق، والبر ثمرتها.
ويصف الأنبا بيشوي الآيتين ٧ و٨ معاً: الله يقرر أن يمحو الإنسان، «وأما نوح فوجد نعمة»، «وكأنها لوحة فنية ذات أرضية سوداء يلمع فيها النور» (الأنبا بيشوي، نوح البار، ص ١٦-١٧). بل يقول إنه لو لم يوجد سبب لخلق الإنسان إلا أن يأتي هذا البار الذي يطيع الله ويبني فلكاً لخلاص بيته، ومنه يأتي المسيح بحسب الجسد، لكان هذا سبباً كافياً (ص ١٦، بحسب مضمون المصدر). ويستشهد بالقداس الغريغوري: «من أجل تعطفاتك الجزيلة كونتني إذ لم أكن… ولم تكن أنت محتاجاً إلى عبوديتي بل أنا المحتاج إلى ربوبيتك».
أما «كاملاً» فيشرح نيافته أنه «كمال نسبي وليس كمالاً مطلقاً مثل كمال الله»، والطريق إليه هو حفظ الوصية؛ ويضرب مثلاً بالقديس الأنبا أنطونيوس الذي سمع آية واحدة (مت ١٩: ٢١) فعمل بها فتغيرت حياته كلها (ص ١٧-١٩، بحسب مضمون المصدر).
الفلك: صورة للكنيسة وللصليب
تفاصيل الفلك كثيرة، وقد رأى فيها الآباء صوراً للخلاص:
ويختم الإصحاح بعبارة جميلة: «ففعل نوح حسب كل ما أمره به الله. هكذا فعل» (تك ٦: ٢٢). بنى نوح الفلك سنوات طويلة على أرض جافة، والناس يرونه ويسمعون إنذاره.
«بالإيمان... دان العالم» (عب ١١: ٧)
يلاحظ نيافة الأنبا بيشوي أن نوحاً عمل كنجار: «وبدأ نوح كنجار يبني السفينة على الأرض في مكان ليس فيه مياه!!» (الأنبا بيشوي، نوح البار، ص ١٩). سفينة ضخمة كأنها مدينة، على أرض جافة، والناس يسخرون. أهل العالم يبنون بيوتاً للسكن، ونوح يبني ما لا ينفع في نظرهم لشيء. ويقول نيافته إن هذه هي حياة أولاد الله في العالم: قد يتعجب منهم الناس ويظنونهم مجانين (ص ٢٥-٢٦، بحسب مضمون المصدر). ويذكّرنا بالقديس أثناسيوس الرسولي حين قيل له: «العالم كله ضدك يا أثناسيوس»، فقال: «وأنا ضد العالم» (ص ٢٥).
وكان نوح «كارزاً للبر» (٢بط ٢: ٥) سنوات طويلة، ولم يستطع أحد أن يؤذيه. يقول نيافته: «لا يستطيع الأشرار بكل شرهم أن يمسوا شعرة واحدة من رؤوس أولاد الله دون أن يأذن الله» (ص ٢٧). وينقل قول قداسة البابا شنوده الثالث: «إن الروحيين الأقوياء لا يتأثرون بأخطاء البيئة التي يعيشون فيها» (ص ٢٩).
٦. ثالثاً: الطوفان (تك ٧)
«وأغلق الرب عليه»
نوح بنى الفلك وجاهد، لكن الله هو الذي أغلق الباب. يقول القمص أنطونيوس فكري إن الله ترك نوحاً يعمل ويجاهد في البناء والطلاء بالقار، «فهذا هو الجهاد، ولكن الله أغلق عليه بعد ذلك بنعمته» (ص ١٩٦ من الملف). فالخلاص جهاد ونعمة معاً.
ويقول تفسير كنيسة مارمرقس بمصر الجديدة إن الله «أغلق باب الفلك بيده على نوح ليطمئنه أنه محكم الإغلاق ولن يصيبه أي ضرر» (ص ٧٢).
وهذا الباب المغلق له وجه آخر: من كان في الداخل خلص، ومن كان في الخارج لم يستطع أن يدخل. قال الرب يسوع: «وكما كانت أيام نوح كذلك يكون أيضاً مجيء ابن الإنسان... كانوا يأكلون ويشربون ويتزوجون ويزوّجون إلى اليوم الذي دخل فيه نوح الفلك، ولم يعلموا حتى جاء الطوفان وأخذ الجميع» (مت ٢٤: ٣٧-٣٩). لم تكن خطيتهم أنهم يأكلون ويتزوجون، بل أنهم عاشوا حياتهم كلها كأن الله غير موجود.
ويقول نيافة الأنبا بيشوي: «كل واحد يقول أنا دخلت الفلك وأغلق الرب عليّ الباب، بذلك نكون قد سلمنا حياتنا في يديه، ولا حياة لنا خارج الفلك» (الأنبا بيشوي، نوح البار، ص ٣٨). ويلاحظ أن الناس رأوا معجزة دخول الحيوانات إلى الفلك، ومع ذلك لم يتوبوا؛ كما رأى كثيرون ظهورات السيدة العذراء في الزيتون وغيرها. فالرؤية وحدها لا تصنع إيماناً: «ينبغي أن يكون دافع الإيمان هو الحب وليس الرؤية بالعينين» (ص ٣٩-٤٠).
ويشبّه نيافته الذين بقوا خارج الفلك بالعذارى الجاهلات اللواتي وجدن الباب مغلقاً (مت ٢٥: ١-١٣): «لقد هلك أولئك الذين كانوا في الخارج إذ لم تكن نفوسهم مستعدة لأن حياتهم كانت خالية من المحبة» (ص ٤١).
«تغطّت الجبال الشامخة»
يرى الأنبا بيشوي في هذه الجبال صورة لكبرياء الإنسان: «تغطّت الجبال الشامخة رمزاً لتشامخ البشر الخطاة» (الأنبا بيشوي، نوح البار، ص ٤٣). ويقول: «المياه تنحدر دائماً من أعلى إلى أسفل» (ص ٤٤)؛ هكذا النعمة لا تستقر على القمم المتكبرة، بل تنحدر إلى المتواضعين: «يقاوم الله المستكبرين، وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة» (١بط ٥: ٥)، و«أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين» (لو ١: ٥٢). ويختم نيافته: «لنبدأ من التراب ثم المعمودية لكي تبدأ الخليقة الجديدة» (ص ٤٥).
ويورد قول القديس مار أفرام السرياني: «إننا محتاجون إلى التواضع، لنجذب الرأفات إلينا من الله» (ص ٤٧).
الطوفان والمعمودية
هذا ليس تفسيراً اجتهادياً، بل هو كلام الرسول نفسه: «الفلك... الذي فيه خلص قليلون، أي ثماني أنفس بالماء، الذي مثاله يخلّصنا نحن الآن، أي المعمودية» (١بط ٣: ٢٠-٢١).
٧. رابعاً: «ثم ذكر الله نوحاً» (تك ٨)
الله لا ينسى
كان نوح في الفلك شهوراً طويلة لا يرى إلا الماء والسماء. لكن الله «ذكر نوحاً». يقول القمص تادرس ملطي إن الله إن كان قد أغلق على نوح فهو لا ينساه وسط المياه، بل كالفخاري الذي يترقب الإناء داخل الفرن ليخرجه في الوقت المناسب إناءً للكرامة. ويلاحظ أن كلمة «ريح» و«روح» في العبرية كلمة واحدة (ص ٩٧ من الملف)، فكما رفّ روح الله على وجه المياه في الخلق الأول (تك ١: ٢)، هبّت الريح على المياه في هذا الخلق الجديد.
وفي هذا تعزية لكل من يمر بطوفان في حياته: مرض، أو حزن، أو ضيق طويل. الله يذكرك. ونحن نصلي كل يوم مع اللص اليمين: «اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك» (لو ٢٣: ٤٢).
الغراب والحمامة
الغراب خرج ولم يرجع، يتردد بين الجيف. والحمامة لم تجد راحة لرجلها فرجعت، فمد نوح يده وأدخلها إليه.
«السلام لمريم الحمامة الحسنة»
في نشيد الأناشيد يقول العريس: «واحدة هي حمامتي كاملتي، الوحيدة لأمها» (نش ٦: ٩). ويشرح الأنبا بيشوي أن الحمامة في النشيد رمز للكنيسة، ورمز أيضاً للسيدة العذراء، وأنها «هي الرمز الذي يفوق المرموز إليه» (الأنبا بيشوي، نوح البار، ص ٥٦-٥٧). ولهذا نرتل في الكنيسة: «السلام لمريم الحمامة الحسنة التي ولدت لنا الله الكلمة».
ويلاحظ نيافته أن الحمامة حملت إلى نوح بشارة عودة الحياة، كما كانت العذراء أول من قبل بشارة الخلاص، قبل الرعاة والمجوس (لو ١: ٣١-٣٨)، ونقول عنها في التسبحة: «هذه التي بها صار الخلاص لجنسنا» (ص ٥٨).
ورقة زيتون خضراء
لماذا ورقة زيتون بالذات؟ يقول الأنبا بيشوي إن أي نبات أخضر كان يكفي ليعلن أن الحياة عادت، لكن شجرة الزيتون تعطي الزيت النقي الذي كان يضيء المنارة ذات السبعة السرج، ولذلك «شجرة الزيتون بالذات هي رمز لإنارة الروح القدس في حياتنا» (الأنبا بيشوي، نوح البار، ص ٥٩-٦١)، وهو ما نناله في المعمودية ومسحة الميرون. فالسلام الذي حملته الحمامة ليس كلاماً فقط: «إذاً المصالحة بين الله والإنسان لم تكن مصالحة جوفاء –حاشا–» (ص ٦١)، بل مصالحة تمت بعمل حقيقي، ويثمر فينا بعطية الروح.
وينقل نيافته في هذا الموضع قول قداسة البابا شنوده الثالث: «إننا لا نستطيع أن نحصى كل ما يعطيه روح الله: فكل عطية صالحة، وكل موهبة تامة، هي نازلة من عنده» (ص ٦٢).
المذبح الأول بعد الطوفان
أول ما فعله نوح بعد الخروج من الفلك أنه بنى مذبحاً. لم يبدأ ببناء بيت، بل بالعبادة والشكر. ويقول القمص تادرس ملطي إن الكتاب يعلن هنا لأول مرة عن إقامة مذبح للرب، «وكأن الكنيسة لا تقدر أن تقدم ذبيحة السيد المسيح (الإفخارستيا) إلا بعد التمتع بالمعمودية» (ص ١٠١ من الملف). ويذكّرنا بما يصليه الكاهن في رفع البخور عن السيد المسيح الذي «أصعد ذاته ذبيحة مقبولة على الصليب عن خلاص جنسنا، فاشتمّه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة». فرائحة الرضا التي تنسّمها الله من ذبيحة نوح كانت ظلاً لرائحة الرضا الحقيقية في ذبيحة الصليب.
ويشرح الأنبا بيشوي أن المحرقة كانت تُحرق كلها، ومعناها إفناء الذات في طاعة كاملة، وأن الحيوانات كانت رمزاً وعربوناً للذبيحة الحقيقية، أي المسيح الذي أصعد ذاته محرقة عن خلاص جنسنا. والإنسان مدعو أن يقدم نفسه ذبيحة حب؛ ومن يضع نفسه في يد الله لا يضيع أبداً: «إن الضياع الحقيقي هو بانفصال المشيئة عن الله؛ هذا هو الضياع، هذا هو العدم، هذا هو الفناء» (الأنبا بيشوي، نوح البار، ص ٧٠-٧٢). أما «رائحة الرضا» فكانت من أجل استحقاقات الصليب الذي كان أمام عيني الله منذ البدء (ص ٧٣، بحسب مضمون المصدر).
٨. خامساً: العهد والقوس، ونوح وأبناؤه (تك ٩)
بركة جديدة وحماية لحياة الإنسان
هذه هي البركة نفسها التي أعطاها الله لآدم (تك ١: ٢٨)، وكأن البشرية تبدأ من جديد. يقول القمص تادرس ملطي: «وكأن الإنسان قد بدأ من جديد، أو كأن العالم قد انطلق انطلاقة جديدة خلال نوح عوض آدم الأول»، ويرى في هذه البركة رمزاً لبركة الكنيسة في المسيح: «فعوض آدم الأول صار لنا آدم الثاني رأساً، وعوض حواء الأولى صارت لنا الكنيسة حواء الجديدة... خلال آدم الأول صار لنا الميلاد الجسدي، وخلال آدم الجديد أو نوح الحقيقي صار لنا الميلاد الروحي» (ص ١٠٣ من الملف).
وينقل القمص تادرس هنا قول القديس أغسطينوس: «إن لنا ميلادين: أحدهما أرضي والآخر سماوي... الأول يجعلنا أبناء الجسد، والثاني أبناء الروح. الأول يصيّرنا أبناء الموت والثاني أبناء القيامة»، وقول مار يعقوب السروجي في ميمره عن المعمودية، يدعو الإنسان أن يسرع إلى المعمودية ويطلبها أماً له، «فهي تقدم لك أباً غنياً مملوءاً خيرات» (ص ١٠٣ من الملف).
ثم يحمي الله حياة الإنسان: «سافك دم الإنسان بالإنسان يُسفك دمه، لأن الله على صورته عمل الإنسان» (تك ٩: ٦). حتى بعد الطوفان وبعد كل هذا الفساد، ما زال الإنسان يحمل صورة الله، ولذلك حياته غالية جداً. ولأول مرة يسمح الله بأكل اللحوم، ويرى القمص تادرس ملطي في ذلك تهيئة للطريق لقبول ذبائح السلامة في الشريعة، التي كان الكاهن يأكل منها «كرمز للتمتع بالتناول جسد ربنا يسوع ودمه» (ص ١٠٤ من الملف). ويرى في منع أكل الدم تمهيداً لإعلان قيمة الدم المبذول للفداء: «دم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح» (١بط ١: ١٩) (ص ١٠٤ من الملف).
ويقول الله: «ولتكن خشيتكم ورهبتكم على كل حيوانات الأرض» (تك ٩: ٢). ويلاحظ الأنبا بيشوي أن الإنسان الممتلئ من روح الله تخضع له الوحوش، كما كان المسيح «مع الوحوش» في البرية (مر ١: ١٣)، وكما عاش قديسون كثيرون مع الأسود والضباع؛ وهذا عربون لسلطان أعظم: سلطان على الشياطين (الأنبا بيشوي، نوح البار، ص ٧٤، بحسب مضمون المصدر).
القوس في السحاب
يقول القمص تادرس ملطي إن القوس كان سلاحاً للحرب، «وكأن الله يدافع عنا بقوسه لكن بدون سهم، لأنه غير محب لسفك الدماء»، ويلاحظ أن الله يقول «ميثاقي» و«قوسي» كأنه يعتز بعهده مع الإنسان. ويضيف: إذ جاء التأديب خلال الطبيعة جعل الله العلامة في الطبيعة، أما في العهد الجديد فإذ حمل السيد المسيح تأديبنا في جسده جعل العلامة فيه خلال جراحات الصليب (ص ١٠٤ من الملف). وفي سفر الرؤيا نرى قوس قزح حول العرش (رؤ ٤: ٣). ويلاحظ الأستاذ هنري ناجي فوزي أن القوس في السحاب من ألوان الطيف السبعة، «وفيه إشارة إلى أسرار الكنيسة السبعة بما فيها سر الإفخارستيا وهو ميثاق العهد الجديد» (موسوعة طوفان سفر التكوين، ص ٧٣ من الملف).
ويضيف الأنبا بيشوي:
ضعف نوح، وسِتر الإخوة
لماذا يذكر الكتاب هذا الضعف عن رجل بار؟ لأن الكتاب صادق، لا يجمّل صورة أحد. ويقول القمص تادرس ملطي إن الكتاب سجّل هذا الضعف ليؤكد أن الخلاص لم يكن بسبب بر نوح الذاتي، بل بسبب النعمة التي كانت تسنده (ص ١٠٥ من الملف).
وتختلف قراءات الآباء والمفسرين لموقف نوح، وهذا يعلّمنا الاتزان:
والدرس واضح: من صمد أمام طوفان العالم قد يسقط في ساعة راحة. فلا نطمئن إلى ماضينا الروحي.
لكن القديس جيروم يرى في هذا المشهد أيضاً صورة للمسيح. يقول، كما ينقل القمص تادرس ملطي: «قيل هذا كله كرمز للمخلص الذي شرب الألم على الصليب... شرب وسكر وتعرّى جسده... فقد جاء الكبير (حام) أي اليهود وضحك، أما الأصغر أي الأمم فغطّى آلامه» (ص ١٠٦ من الملف). فالمسيح تعرّى على الصليب لكي يسترنا نحن، وكل من يستر أخاه يشترك في عمل المسيح.
ثم ننظر إلى موقف الأبناء. حام رأى وأخبر؛ جعل ضعف أبيه حديثاً. أما سام ويافث فأخذا الرداء ومشيا إلى الوراء وسترا. يقول القمص تادرس ملطي: «إن كنا نرى بالإيمان كل إنسان أباً أو أماً أو أخاً أو أختاً لنا، فليتنا لا نعري أحداً، إنما نستر بالحب قدر ما نستطيع في المسيح يسوع ساتر خطايانا» (ص ١٠٦ من الملف). ويقول الرسول: «المحبة تستر كثرة من الخطايا» (١بط ٤: ٨).
ومن بستان الرهبان قصة معروفة: أخطأ أخ في برية شيهيت، فاجتمع الإخوة ليحكموا عليه، وأرسلوا يطلبون الأنبا موسى الأسود. فجاء حاملاً على كتفه سلة مثقوبة مملوءة رملاً. فسألوه: ما هذا يا أبانا؟ فقال: هذه خطاياي تجري ورائي ولا أراها، وقد جئت اليوم لأحكم على خطايا غيري! فلما سمعوا ذلك سامحوا الأخ ولم يقولوا له شيئاً (أقوال آباء البرية، القول رقم ٥٤٢، بحسب مضمون المصدر).
«ملعون كنعان... مبارك الرب إله سام»
لاحظوا أن نوحاً لم يلعن حاماً بل كنعان. ويشرح القديس يوستين الشهيد ذلك بحسب مضمون المصدر: إن روح النبوة لم يشأ أن يلعن الابن الذي باركه الله مع إخوته (تك ٩: ١)، فجعل اللعنة تبدأ من ابنه (الحوار مع تريفون، الفصل ١٣٩). وينقل القمص تادرس ملطي هذا الرأي أيضاً (ص ١٠٦ من الملف). وهذه الكلمات نبوة عن الكنعانيين الذين انحرفوا فيما بعد إلى الرجاسات الوثنية.
ثم يبارك نوح «الرب إله سام»، ومن نسل سام جاء إبراهيم وإسحق ويعقوب ثم المسيح بحسب الجسد (لو ٣: ٣٦). و«ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام» (تك ٩: ٢٧). يقول القمص تادرس ملطي: «فقد اتسعت مساكن سام كنيسة (السيد المسيح) لتقبل ملء الأمم، أي تقبل يافث فيها» (ص ١٠٧ من الملف). ونحن الذين من الأمم دخلنا إلى مساكن سام.
٩. المسيح يكمل القصة
كل ما رأيناه اليوم يشير إلى المسيح. ونسير مع القصة بترتيبها في سفر التكوين:
قصة نوح ليست فقط قصة دينونة، بل قصة إله لا يتخلى عن الإنسان، يبدأ معه من جديد مرة بعد مرة، إلى أن جاء بنفسه، نوحنا الحقيقي، ليعطينا الراحة.
١٠. مناقشة جماعية
١١. الخلاصة
رأينا اليوم كيف فسد الإنسان حين اختلط قلبه بالعالم، وكيف لم يتخلَّ الله عنه: أعطاه مهلة للتوبة، ووجد نوحاً البار، وأغلق عليه الفلك بيده، وذكره وسط المياه، وقبل ذبيحته، وأقام معه عهداً أبدياً. والإنسان ما زال ضعيفاً، حتى نوح البار سقط، لكن الله أمين.
فلنخرج بثلاثة أسئلة: هل أنا داخل الفلك؟ هل أنا غراب أم حمامة؟ هل أستر أم أفضح؟
١٢. الواجب الأسبوعي
١٣. صلاة ختامية
أيها الرب الإله، يا من رأيت فساد الأرض ولم تنسَ نوحاً البار، وأعطيت الناس مهلة للتوبة لأنك لا تشاء موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا؛ نشكرك على هذه الساعة التي جمعتنا فيها حول كلمتك.
يا من أغلقت الفلك بيدك، احفظنا في فلك كنيستك المقدسة، ولا تدعنا نخرج منها كالغراب إلى جيف هذا العالم، بل اجعلنا كالحمامة لا نجد راحة إلا في يدك. يا من ذكرت نوحاً، اذكرنا في كل طوفان نجتازه. يا من قبلت ذبيحة نوح رائحة رضا، اقبل صلواتنا من أجل ذبيحة ابنك الحبيب على الصليب.
علّمنا أن نستر ضعف إخوتنا بالحب كما سترتنا أنت، وأن نعيش لاسمك القدوس لا لأسمائنا. احفظ كل من حضر وبيته وأسرته، ولك المجد مع أبيك الصالح والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. بشفاعة والدة الإله القديسة العذراء مريم، وصلوات القديسين مار بطرس ومار أندراوس. آمين.
١٤. توزيع الوقت المقترحللخادم
١٥. حالة المصادر (للخادم)للخادم
ما رُوجع مباشرة على النص في مكتبة المشروع:
ما رُوجع على نصوص منشورة على الإنترنت:
مصادر في المكتبة لم تُستخدم:
١٦. المراجع المستخدمة
الكتاب المقدس، سفر التكوين ٦: ١ - ٩: ٢٩ (ترجمة فان دايك).
تفسير سفر التكوين، القمص تادرس يعقوب ملطي، الإصحاحات ٦-٩ (ص ٨١-١٠٧ بحسب ترقيم ملف PDF المستخدم).
تفسير سفر التكوين، القمص أنطونيوس فكري، الإصحاحات ٦-٩ (ص ١٩٢-٢١١ بحسب ترقيم ملف PDF المستخدم).
تفسير سفر التكوين، كهنة وخدام كنيسة مارمرقس بمصر الجديدة، الإصحاحات ٦-٩ (ص ٦٣-٨٧).
نوح البار، نيافة الأنبا بيشوي مطران دمياط وكفر الشيخ والبراري، سلسلة «تأملات في شخصيات من العهد القديم»، مطرانية دمياط، الطبعة الأولى ٢٠١٣ (ص ١٣-٨٤).
موسوعة طوفان سفر التكوين بين الإيمان والعلم، أ. هنري ناجي فوزي (ص ٧٣ من الملف).
The Sayings of the Holy Desert Fathers (Paradise of the Fathers, trans. E. A. Wallis Budge), saying 542.
St. John Chrysostom, Homilies on Genesis 18-45, trans. Robert C. Hill, Fathers of the Church 82: Homily 22 (§6-13), Homily 29.
St. Justin Martyr, Dialogue with Trypho, chs. 138-139, ANF vol. 1.
St. Jerome, Letter 69 (to Oceanus), §6, NPNF 2nd series vol. 6.
St. John Cassian, Conferences, Conference 8 (Abba Serenus), ch. 21, NPNF 2nd series vol. 11.
St. Ephrem the Syrian, Commentary on Genesis, on Gen 6 (excerpt via Catena Bible).
The Orthodox Study Bible (Thomas Nelson), notes on Gen 6-9.


































ما نراه في النص، وكيف يكتمل في المسيح.
للمناقشة والتأمل
- «رأوا… فاتخذوا… من كل ما اختاروا»: ما الذي يحدد اختياراتي اليوم؛ ما تراه عيني أم ما يريده الله؟
- نسل يبني اسماً لنفسه، ونسل يدعو باسم الرب: أين أرى نفسي؟
- ما الذي يساعدني أن أثبت حين أكون قليلاً وسط الكثيرين؟
- ماذا يعني لي أن «أبقى في الفلك» كل يوم؟
- كيف نستر في بيوتنا وكنيستنا دون أن نبرر الخطأ؟
تطبيق الأسبوع
- الكتاب المقدس، تكوين ٦: ١ - ٩: ٢٩ (فان دايك)
- القمص تادرس يعقوب ملطي، تفسير سفر التكوين
- القمص أنطونيوس فكري، تفسير سفر التكوين
- كهنة وخدام كنيسة مارمرقس بمصر الجديدة، تفسير سفر التكوين
- نيافة الأنبا بيشوي مطران دمياط، نوح البار
- القديس يوحنا ذهبي الفم، عظات على سفر التكوين، العظتان ٢٢ و٢٩
- القديس يوستين الشهيد، الحوار مع تريفون ١٣٨-١٣٩
- أقوال آباء البرية، القول ٥٤٢