أبرام والعهد
بعد أن رفض أبرام غنائم سدوم، يأتيه الرب في الليل: «لا تخف يا أبرام. أنا ترس لك». يكشف أبرام جرحه: «ماذا تعطيني وأنا ماضٍ عقيماً؟»، فيخرجه الرب إلى خارج ليرى النجوم، «فآمن بالرب فحسبه له براً». ثم يقطع الرب معه عهداً بين الذبائح المشقوقة، وتجتاز النار وحدها بين القطع: الله يلتزم بالعهد وحده.
بعد عشر سنين في كنعان بلا ابن، تتعجل ساراي وعد الله بطريقة بشرية، فتدخل هاجر إلى البيت، ومعها الكبرياء واللوم والقسوة، وتهرب هاجر. لكن ملاك الرب يجدها عند عين الماء، فتدعو اسم الرب: «أنت إيل رئي»، الإله الذي يرى.
وبعد ثلاث عشرة سنة من الصمت يظهر «الله القدير» لأبرام وهو ابن تسع وتسعين سنة، فيعطيه اسماً جديداً، إبراهيم «أب جمهور»، ويعطي ساراي اسم سارة، ويقيم معه عهداً أبدياً علامته الختان في اليوم الثامن، رمزاً للمعمودية. ويضحك إبراهيم فرحاً، ويطيع «في ذلك اليوم عينه». ثلاثة مواقف: آمن، وتعجّل، وتجدّد؛ وثلاثة أسماء لله: الترس، والذي يرى، والقدير.
١. صلاة الافتتاح
أيها الرب الإله، يا من ظهرت لعبدك أبرام في الرؤيا وقلت له: «لا تخف يا أبرام. أنا ترس لك»، وأخرجته إلى خارج ليرى نجوم السماء؛ نأتي إليك الآن طالبين أن تخرجنا نحن أيضاً من ضيق أفكارنا، لنرى عظمة مواعيدك، ونؤمن بك كما آمن هو.
يا من رأيت هاجر الهاربة عند عين الماء في البرية، ويا من أعطيت إبراهيم اسماً جديداً وعهداً أبدياً؛ انظر إلينا حين نتعب من الانتظار، واحفظنا من أن نتعجل مواعيدك بطرقنا البشرية، وجدّد فينا نعمة المعمودية التي صرنا بها أولاداً لإبراهيم بالإيمان.
بارك هذا الاجتماع وكل من حضر ليسمع كلمتك، بشفاعة والدة الإله القديسة العذراء مريم، وصلوات القديسين مار بطرس ومار أندراوس. آمين.
٢. مراجعة سريعة: ماذا رأينا في الجلسة الماضية؟
في جلستنا الماضية رافقنا أبرام في ثلاثة إصحاحات، ورأيناه في ثلاثة أفعال: يترك أرضه وعشيرته وبيت أبيه، ثم يتنازل للوط عن حق اختيار الأرض، ثم يرفض أن يأخذ من ملك سدوم «خيطاً ولا شراك نعل» (تك ١٤: ٢٣). ورأينا العلامتين اللتين رافقتاه في كل مكان: الخيمة والمذبح. ووقفنا أمام ملكي صادق، الملك الكاهن، الذي أخرج خبزاً وخمراً وبارك أبرام.
وتركنا الجلسة الماضية عند سؤال: أبرام رفض الغنائم، وعاد إلى خيمته بلا شيء من أموال سدوم، وهو ما زال بلا ابن، وقد تقدّم في السن. فماذا يقول الله لرجل ترك كل شيء ورفض كل شيء من أجله؟ وكان الواجب الأخير أن نقرأ تك ١٥، وأن ننتبه إلى أول كلمة يقولها الرب لأبرام بعد هذه الأحداث: «لا تخف يا أبرام. أنا ترس لك».
٣. مقدمة: ثلاثة أسماء لله وثلاثة مواقف لأبرام
نقرأ اليوم ثلاثة إصحاحات: الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر. وهي معاً قصة نحو خمس عشرة سنة من حياة أبرام، من بعد الحرب إلى أن صار عمره تسعاً وتسعين سنة. وفيها كلمة واحدة تتكرر كأنها عنوان: العهد. ففي الإصحاح الخامس عشر يقطع الرب مع أبرام عهداً بين الذبائح المشقوقة، وفي السابع عشر يقيم معه «عهداً أبدياً» ويعطيه علامة الختان. وبينهما إصحاح يبيّن ما يحدث حين يتعب الإنسان من انتظار ما وعده الله به.
وإن تأملنا هذه الإصحاحات وجدنا فيها ثلاثة مواقف لأبرام:
وفي الإصحاحات الثلاثة يعلن الله نفسه بثلاثة أسماء، كل اسم منها جواب على حاجة:
فلنحفظ هذه الأسماء الثلاثة: الترس، والذي يرى، والقدير. فهي خيط جلستنا اليوم.
٤. «لا تخف يا أبرام. أنا ترس لك» (تك ١٥: ١-٦)
(أ) «بعد هذه الأمور»
تبدأ القصة بعبارة تربطها بما قبلها: «بعد هذه الأمور». أي بعد أن خاطر أبرام بحياته من أجل لوط، وبعد أن أعطى ملكي صادق العشور، وبعد أن رفض غنائم سدوم. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن كلام الله هنا هو المكافأة على هذا الرفض: أبرام رفض عطية ملك سدوم، فجاءه الله بما لا يقدر ملك أن يعطيه (العظة ٣٦، الفقرة ٩، ص ٣٣١-٣٣٢، بحسب مضمون المصدر). ويقول القمص تادرس ملطي المعنى نفسه: إذ رفض أبرام المكافأة البشرية التي كانت حقاً شرعياً له، كافأه الرب بما لا يستطيع البشر أن يقدموه، وهو الدخول في عهد إلهي (تفسير تك ١٥، بحسب مضمون المصدر).
ولكن لماذا «لا تخف»؟ لم يذكر الكتاب أن أبرام كان خائفاً، بل خرج من المعركة منتصراً. يقدم المفسرون جوابين. الأول عملي: يرى القمص أنطونيوس فكري ومفسرو كنيسة مارمرقس أن أبرام صار مهدداً بعد أن هزم كدرلعومر وحلفاءه، وهو يسكن غريباً بين شعوب لا يعرفها، فقد يعود الملوك للانتقام (تفسير تك ١٥: ١، بحسب مضمون المصدرين). والثاني روحي: يقول الذهبي الفم إن المعنى: لا تقلق لأنك تركت كل هذه الثروة، فأنا أعوضك بأعظم منها (العظة ٣٦، الفقرة ١٠، ص ٣٣٢-٣٣٣، بحسب مضمون المصدر). وهذا يعلمنا شيئاً: الخوف كثيراً ما يأتي بعد الانتصار لا قبله، وبعد التضحية لا قبلها. نعطي لله شيئاً كبيراً، ثم يسألنا قلبنا في الليل: هل أحسنتُ؟ ماذا سيحدث لي الآن؟
ويضع الأنبا بيشوي هذه الكلمة في إطار الوعد الأول: «لا تخف... أجرك كثير جداً» تأكيد لما قاله الله لأبرام يوم دعاه: «وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض». فالأجر الكثير ليس غنى ولا أرضاً فقط، بل بركة لا يتصورها عقل: أن من نسل أبرام سيأتي مخلص العالم كله، الذي تخضع له كل شعوب المسكونة. ويتصور الأنبا بيشوي الله يقول لأبرام: هلم ندخل معاً في عهد، طريق بدايته خروجك من أور الكلدانيين، ونهايته الوصول إلى أورشليم السمائية (الأنبا بيشوي، «إبراهيم أب الآباء»، ص ٣٢-٣٤ بحسب الترقيم المطبوع، بحسب مضمون المصدر).
ولاحظوا أن الله ناداه باسمه: «لا تخف يا أبرام». ويلاحظ الذهبي الفم أن مناداة الإنسان باسمه تشجعه وتطمئنه (العظة ٣٦، الفقرة ١٠، بحسب مضمون المصدر). الله لا يكلمنا ككتلة من البشر، بل يعرف كل واحد باسمه.
ويلاحظ ف. ب. ماير، وهو من المعلقين الإنجيليين الذين نستعين بكتابهم كخلفية، أن الله هو الذي بادر: لم ينتظر أن يأتي أبرام إليه، بل جاء هو إليه، كما جاء إلى يوسف في السجن، وإلى إيليا تحت الرتمة، وإلى التلاميذ على الماء قائلاً: «تشجعوا. أنا هو. لا تخافوا» (ماير، «حياة إبراهيم»، ص ٦٠-٦١، بحسب مضمون المصدر).
(ب) الترس والأجر
«أنا ترس لك». ويشرح مفسرو كنيسة مارمرقس أن الترس قطعة من الخشب مغطاة بالجلد، يدخل الجندي يده في عروتها ويصد بها السهام، ويحركها ليحمي رأسه وجسده؛ فكم بالأولى الله الذي يحيط بأبرام فيحميه حماية كاملة (تفسير تك ١٥: ١، بحسب مضمون المصدر). ويعبّر الذهبي الفم عن ذلك بعبارة جميلة: «أنا ترس لك»، أي: أنا أحارب عنك (العظة ٣٦، الفقرة ١٠، ص ٣٣٣، بحسب مضمون المصدر). وهي الكلمة التي سيرددها داود بعد قرون: «أما أنت يا رب فترس لي. مجدي ورافع رأسي» (مز ٣: ٣).
ثم «أجرك كثير جداً». لاحظوا أن الله لم يقل: سأعطيك أجراً كثيراً، بل جعل نفسه هو الترس، ثم وعد بالأجر. فأعظم ما ينال أبرام هو الله نفسه. ويقول ماير بمعنى كلامه: إن كان الله لك فلك كل شيء ولو حُرمت من كل شيء، وإن لم يكن الله لك فأنت محروم من كل شيء ولو ملكت كل شيء (ص ٦٢). ويقول القمص تادرس ملطي إن أبرام اقترب إلى الله لا بالصلاة وتقديم الذبائح فحسب، بل بالعمل والجهاد من أجل نفع الآخرين، فاقترب إليه الرب حسب وعده: «ارجعوا إليّ، يقول رب الجنود، فأرجع إليكم» (زك ١: ٣) (تفسير تك ١٥، بحسب مضمون المصدر).
(ج) «ماذا تعطيني؟»: صلاة صريحة
يجيب أبرام بكلمات لم نسمعها منه من قبل: «أيها السيد الرب، ماذا تعطيني وأنا ماضٍ عقيماً؟». ثم يكرر: «إنك لم تعطني نسلاً، وهوذا ابن بيتي وارث لي» (تك ١٥: ٣). وهذه أول كلمات يسجلها الكتاب لأبرام موجّهة إلى الله. كان حتى الآن يسمع ويطيع ويبني مذابح، والآن يفتح قلبه.
ويقول القمص تادرس ملطي إن اقتراب الله إليه زاد أبرام اقتراباً، فتقدم إليه يتحدث لا في شكليات ورسميات، بل في جرأة ودالة؛ لم يطلب منه صراحة ابناً، لكنه سأله في دالة معاتباً: ما نفع العطايا الكثيرة لإنسان عقيم يرثه آخر؟ (تفسير تك ١٥، بحسب مضمون المصدر). ويقول الذهبي الفم إن أبرام لم يتذمر ولم يتكلم بكلام قاسٍ، بل كشف للرب اضطراب أفكاره، ولم يُخفِ جرح نفسه، فنال الشفاء في الحال (العظة ٣٦، الفقرة ١١، ص ٣٣٣-٣٣٤، بحسب مضمون المصدر).
أما أليعازر الدمشقي فهو رئيس عبيده، والمقصود أن العبد كان يرث سيده إن لم يكن له أبناء، كما يشرح القمص أنطونيوس فكري (تفسير تك ١٥: ٢، بحسب مضمون المصدر). ولاحظوا كيف يسميه أبرام «ابن بيتي»، ويرى القمص أنطونيوس فكري في ذلك تواضعاً ومحبة منه.
وهنا درس عن الصلاة. الله لا يريد منا كلمات مرتبة نخفي وراءها جراحنا. يريد أن نقول له بأمانة ما في قلوبنا، ولكن له هو، لا عنه للآخرين. أبرام لم يشتكِ الله لأحد، بل اشتكى إلى الله.
(د) «انظر إلى السماء وعدّ النجوم»
لم يجب الله بشرح، بل أخرج أبرام من خيمته. وكأنه يقول له: داخل الخيمة تنظر إلى حدودك، إلى سنك وإلى عقر ساراي؛ تعالَ إلى خارج وانظر إلى السماء. ويلاحظ القمص أنطونيوس فكري أن الرؤيا كانت ليلاً، فأراه النجوم، بينما حين وعده قبلاً بنسل كتراب الأرض (تك ١٣: ١٦) كان ذلك في النهار وهو يرى التراب (تفسير تك ١٥: ٥، بحسب مضمون المصدر).
ويقول الذهبي الفم إن الوعد عجيب، لكن لا شيء يعسر على قدرة الذي يعد، فالذي جبل الجسد من التراب يقدر أن يعطينا ما يفوق حدود الطبيعة (العظة ٣٦، الفقرة ١٢-١٣، ص ٣٣٤-٣٣٥، بحسب مضمون المصدر).
ويلاحظ القمص تادرس ملطي في مذكرته عن إبراهيم أن الرب شبّه نسل إبراهيم بتشبيهين: «كتراب الأرض» (تك ١٣: ١٦) و«انظر إلى السماء وعدّ النجوم» (تك ١٥: ٥). فأبناء إبراهيم بحسب الجسد كتراب الأرض، أما نسله الروحي فكنجوم السماء: ليسوا كثيرين فقط، بل مضيئون ومرتفعون (ص ٦ من الملف، بحسب مضمون المصدر). وكل من صار للمسيح صار من هذه النجوم: «فإن كنتم للمسيح، فأنتم إذاً نسل إبراهيم، وحسب الموعد ورثة» (غل ٣: ٢٩).
(هـ) «فآمن بالرب فحسبه له براً»
هذه من أعظم آيات العهد القديم، وقد اقتبسها العهد الجديد أكثر من مرة. لاحظوا أن الله لم يعطِ أبرام شيئاً يراه. لم يولد ابن، ولم تتغير ساراي. كل ما أخذه كلمة تحت السماء المظلمة. ومع ذلك آمن.
ويعرّف الذهبي الفم الإيمان من هذه الآية تعريفاً جميلاً: الإيمان الحقيقي هو أن نثق في قدرة الذي يعد، لا في معقولية الوعد بحسب حسابات البشر. ويضيف أن أبرام نال أجراً مكافئاً على إيمانه نفسه حتى قبل أن يتحقق الوعد (العظة ٣٦، الفقرة ١٤، ص ٣٣٦، بحسب مضمون المصدر). ويعود الذهبي الفم إلى الفكرة نفسها في عظاته على سفر أعمال الرسل: آمن أبرام حين لم يكن له ولد، ولم يكن له في الأرض موضع قدم، والأحداث كلها تبدو ضد الوعد؛ فاقبل كل ما يعدك الله به، مهما بدت الأحداث مخالفة له (عظات على سفر الأعمال، NPNF First Series, Vol. 11, p. 184، بحسب مضمون المصدر).
والقديس بولس يبني على هذه الآية في رسالتين. يقول: «لأنه ماذا يقول الكتاب؟ “فآمن إبراهيم بالله فحسب له براً”» (رو ٤: ٣). ويقول أيضاً: «فهو على خلاف الرجاء، آمن على الرجاء، لكي يصير أباً لأمم كثيرة، كما قيل: “هكذا يكون نسلك”» (رو ٤: ١٨). ثم يطبقها علينا: «ولكن لم يكتب من أجله وحده أنه حسب له، بل من أجلنا نحن أيضاً، الذين سيحسب لنا، الذين نؤمن بمن أقام يسوع ربنا من الأموات» (رو ٤: ٢٣-٢٤). ويقول القمص تادرس ملطي إن أبرام أب الآباء فتح لنا نحن أولاده طريق البر خلال الإيمان (تفسير تك ١٥، بحسب مضمون المصدر).
ولكي نفهم الآية في فكر كنيستنا، نقرأها مع القديس يعقوب الرسول الذي يقتبس الآية نفسها: «ألم يتبرر إبراهيم أبونا بالأعمال، إذ قدم إسحاق ابنه على المذبح؟ فترى أن الإيمان عمل مع أعماله، وبالأعمال أكمل الإيمان، وتم الكتاب القائل: “فآمن إبراهيم بالله فحسب له براً”، ودعي خليل الله» (يع ٢: ٢١-٢٣). فالإيمان الذي حُسب لأبرام براً ليس فكرة في العقل، بل إيمان حي يعمل بالمحبة، إيمان رجل ترك أرضه وأطاع، وسيقدم ابنه يوماً. ويقول القمص تادرس ملطي إن أبرام تأهل لعطايا الله غير المنقطعة بسبب إيمانه الحي العملي وطاعته للرب في كل شيء (تفسير تك ١٥، بحسب مضمون المصدر).
وقد يسأل أحد: أليس بولس يقول: «إذاً نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس» (رو ٣: ٢٨)، ويعقوب يقول إن إبراهيم «تبرر بالأعمال»؟ يجيب الأنبا بيشوي أنه لا تناقض بين الرسولين. فحين يتكلم بولس عن «أعمال الناموس» يقصد الذبائح الحيوانية والشرائع الرمزية والختان، التي قد يظن الإنسان أنه يخلص بها مستغنياً عن ذبيحة الصليب. أما الأعمال التي يتكلم عنها يعقوب فهي أعمال الإيمان، أي طاعة الإيمان؛ وأعظمها تقديم إسحاق، إذ آمن إبراهيم أن الله قادر أن يقيمه من الأموات (عب ١١: ١٧-١٩). ويقول: لم يكن إيمان إبراهيم إيماناً نظرياً، بل «طاعة الإيمان، وإيماناً بالطاعة» (الأنبا بيشوي، «إبراهيم أب الآباء»، ص ٦١-٦٤ بحسب الترقيم المطبوع، بحسب مضمون المصدر).
٥. العهد بين القطع: الله يلتزم وحده (تك ١٥: ٧-٢١)
(أ) «بماذا أعلم؟»: سؤال المؤمن لا سؤال الشاك
قد يبدو هذا السؤال شكاً بعد أن قيل مباشرة إنه آمن. ولكن الآباء يقرؤونه قراءة أعمق. ينقل القمص تادرس ملطي عن القديس أغسطينوس أن أبرام لم يقل «كيف أعرف؟» كأنه لم يؤمن بعد أنه يرث، وإنما قال «بماذا أعلم؟»، أي يطلب علامة ليعرف الطريق الذي يتحقق به ما قد آمن به. ويشبّهه بالقديسة العذراء مريم التي سألت الملاك: «كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً؟» (لو ١: ٣٤)، فلم تكن تسأل عن عدم إيمان، بل عن الوسيلة، فأُجيبت: «الروح القدس يحل عليك» (تفسير تك ١٥، بحسب نقل القمص تادرس ملطي عن القديس أغسطينوس). ويقول القمص أنطونيوس فكري ومفسرو كنيسة مارمرقس المعنى نفسه.
ويقول الذهبي الفم إن أبرام لم يطلب العلامة عن عدم ثقة، بل طلب علامة منظورة تسند ضعف الفكر البشري، والله لم يغضب، بل تنازل وقطع معه عهداً على الطريقة التي يفهمها البشر (العظة ٣٧، الفقرة ٥، ص ٣٤٣-٣٤٤، بحسب مضمون المصدر).
وهذا تعزية لنا: أن نطلب من الله أن يثبّت إيماننا ليس خطية. ويقول مفسرو كنيسة مارمرقس: ليكن لك دالة أمام الله، واطلب منه ما تشاء ليثبت إيمانك ويسندك فهو أبوك الذي يحبك (تفسير تك ١٥: ٨، بحسب مضمون المصدر).
(ب) الذبائح المشقوقة: كيف كانت تُقطع العهود
يشرح القمص أنطونيوس فكري ومفسرو كنيسة مارمرقس أن هذه كانت طريقة قطع العهود قديماً: يشق المتعاهدان حيواناً ويضعان النصفين متقابلين، ثم يجتازان بينهما، بمعنى: ليحدث لي مثل ما حدث لهذا الحيوان إن خنت العهد (تفسير تك ١٥: ٩-١٠، بحسب مضمون المصدرين). ونجد هذه العادة نفسها في سفر إرميا، حين يوبخ الله الرؤساء الذين خانوا العهد: «العجل الذي قطعوه إلى اثنين، وجازوا بين قطعتيه» (إر ٣٤: ١٨).
ولاحظوا أن الحيوانات كلها مما سيُقدَّم لاحقاً في ذبائح الشريعة. وقد رأى الآباء فيها معاني رمزية كثيرة. ينقل القمص تادرس ملطي عن الأب قيصريوس أسقف آرل أن الحيوانات الثلاثة والطيرين تشير إلى الكنيسة الجامعة التي تضم من كل الأمم، وأن عمر «ثلاث سنين» يشير إلى الإيمان بالثالوث. ويقول إن الحيوانات شُقّت والطيور لم تُشق، لأن الجسدانيين منقسمون دائماً، أما الروحيون فلهم قلب واحد ونفس واحدة في الرب (أع ٤: ٣٢)؛ ففي اليمامة الطهارة وفي الحمامة البساطة (تفسير تك ١٥، بحسب نقل القمص تادرس ملطي عن الأب قيصريوس). ويقدم القمص أنطونيوس فكري قراءة أخرى: أن تعدد الذبائح يشير إلى تعدد أوجه ذبيحة المسيح الواحدة: العجلة إلى العبد الصابر الذي أعطانا جسده، والعنزة إلى ذبيحة الخطية، إذ «جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا» (٢كو ٥: ٢١)، والكبش إلى ذبيحة التكريس، والطيور إلى أنه سماوي نزل من فوق (تفسير تك ١٥: ٩-١٠، بحسب مضمون المصدر).
ويضيف القمص تادرس ملطي في مذكرته ملاحظة بسيطة وجميلة: اختار الله حيوانات طاهرة تخدم الإنسان، إشارة إلى السيد المسيح الذي «لم يأت ليُخدم بل ليَخدم»، واختار من الطيور اليمام والحمام، وهي طيور تطير عالياً، إشارة إلى السمو الروحي. ويلاحظ أهمية الدم في هذا العهد: أبرام سأل «بماذا أعلم أني أرثها؟» فكان الجواب ذبيحة؛ وهكذا نرث نحن الأرض الجديدة بالدم والذبيحة، أي بالمسيح (ص ٥ من الملف، بحسب مضمون المصدر).
(ج) أبرام يزجر الجوارح
«فنزلت الجوارح على الجثث، وكان أبرام يزجرها» (تك ١٥: ١١). صورة عجيبة: شيخ وقور يقف طوال النهار بجوار ذبائح مشقوقة، لم تُقدّم على مذبح، ينتظر الله الذي لم يظهر بعد، والطيور الجارحة تحوم، وهو يطردها مرة بعد مرة. ويتساءل القمص تادرس ملطي: ماذا كانت مشاعر أبرام طوال اليوم؟ وما هي مشاعر المرافقين له؟ (تفسير تك ١٥، بحسب مضمون المصدر).
ويقول القمص تادرس ملطي إن أبرام هنا صورة النفس الروحية اليقظة: لا تستطيع أن تمنع الطيور الجارحة من أن تحوم حولها، لكنها تقدر أن تمنعها من أن تستقر عندها أو تخطف شيئاً من ذبيحتها. وهذا ما أكده كثير من آباء الكنيسة: المؤمن الحي لا يقدر أن يمنع حرب الخطايا من مهاجمته، لكنها إذ تجد إنساناً يقظاً لا تقدر أن تدخل إلى فكره أو قلبه (تفسير تك ١٥، بحسب مضمون المصدر). ويقول مفسرو كنيسة مارمرقس إن الطيور الجارحة ترمز إلى الأفكار الشريرة التي تهاجم الإنسان ولا يستطيع منعها، لكنه يستطيع أن يبعدها بالصلاة وطلب معونة الله (تفسير تك ١٥: ١١، بحسب مضمون المصدر). ويضيف القمص أنطونيوس فكري أن علينا أن نسهر على ذبائحنا الروحية وننتظر وعود الله بصبر ويقظة (بحسب مضمون المصدر).
ويقول ماير المعنى نفسه بصورة قريبة: نحن لا نملك أن نمنع الأفكار الرديئة من أن تحلق فوق رؤوسنا، ولكننا نملك أن نمنعها من أن تستقر عليها؛ ويرى أن ساعات الانتظار مع الله ليست ضائعة، بل يبني بها الله حياتنا الروحية (ماير، «حياة إبراهيم»، ص ٦٩، بحسب مضمون المصدر).
(د) السبات والرعبة: نبوة الأربعمئة سنة
عند الغروب، وبعد يوم طويل من الانتظار، يقع على أبرام سبات. ويقول القمص أنطونيوس فكري إن الله أوقع على أبرام سباتاً مثل الذي أوقعه على آدم (تك ٢: ٢١)، فأغلق أبواب الجسد ليعطي الروح فرصة لتتأمل الأمور الروحية (تفسير تك ١٥: ١٢، بحسب مضمون المصدر). ويرى القمص تادرس ملطي أن «الرعبة المظلمة» جاءت لأن أبرام رأى ثمر الخطية في حياة الإنسان، كيف تستعبده وتفسده: نسله سيُستعبد ويُذل أربعمئة سنة (تفسير تك ١٥، بحسب مضمون المصدر). ويقول الذهبي الفم إن الظلام والرعبة أعطيا أبرام إحساساً بحضور الله، كما كان الضباب والدخان على جبل سيناء، لأن الإنسان لا يستطيع أن يرى غير المنظور بعينيه الجسديتين (العظة ٣٧، الفقرة ٦، ص ٣٤٤، بحسب مضمون المصدر).
وهذه نبوة عجيبة. الله يكشف لأبرام تاريخ نسله لأربعة قرون: الغربة، والعبودية في مصر، ودينونة فرعون بالضربات، ثم الخروج «بأملاك جزيلة». وسيذكرها القديس استفانوس في خطابه: «أن يكون نسله متغرباً في أرض غريبة، فيستعبدونه ويسيئوا إليه أربع مئة سنة، والأمة التي يستعبدون لها سأدينها أنا، يقول الله» (أع ٧: ٦-٧). ويلاحظ مفسرو كنيسة مارمرقس أن الله لم يذكر اسم مصر، حتى لا يخاف النسل من النزول إليها في أيام يعقوب (تفسير تك ١٥: ١٣، بحسب مضمون المصدر).
ويقول الذهبي الفم إن سماع هذه النبوة احتاج إلى نفس قوية، فرجل عادي كان سيقول: وما نفعي أنا من هذا؟ أما أبرام فقبل كل ما يأتي من الله كعبد شاكر، وقدّم أحكام الله على رغباته (العظة ٣٧، الفقرة ٧، ص ٣٤٥، بحسب مضمون المصدر).
وفي هذه النبوة أيضاً نرى أن الله صبور حتى على الأشرار: «لأن ذنب الأموريين ليس إلى الآن كاملاً» (تك ١٥: ١٦). ويقول القمص أنطونيوس فكري إن الله يتركهم هذه المدة لعل طول أناته تقتادهم إلى التوبة (بحسب مضمون المصدر). ويقول الذهبي الفم إن الله، بعيداً عن أن يعاقب بأكثر مما تستحق الخطايا، يعاقب بأقل منه بكثير (العظة ٣٧، الفقرة ١١، ص ٣٤٨، بحسب مضمون المصدر).
وأما أبرام فيسمع وعداً شخصياً: «وأما أنت فتمضي إلى آبائك بسلام وتُدفن بشيبة صالحة» (تك ١٥: ١٥). ويلاحظ الذهبي الفم أن الكتاب لم يقل «تموت» بل «تمضي»، وأن «آباءه» هم الأبرار الذين سبقوه، مثل هابيل وأخنوخ ونوح، لا آباؤه الوثنيون بحسب الجسد (العظة ٣٧، الفقرة ٨، ص ٣٤٦، بحسب مضمون المصدر). ويرى القمص أنطونيوس فكري في هذه العبارة إشارة إلى خلود النفس (بحسب مضمون المصدر).
(هـ) التنور والمصباح يجوزان وحدهما
هنا قمة الإصحاح. في العادة كان الطرفان يجتازان معاً بين القطع، فيلتزم كل منهما بالعهد. ولكن هنا لم يجتز أبرام. النار وحدها اجتازت بين القطع، أي الله وحده. ويقول مفسرو كنيسة مارمرقس: مرّ الله وحده وسط الذبائح المشقوقة ولم يأخذ معه إبرام، لأن الإنسان معرّض للخطأ والرجوع عن العهد، فقطع الله وحده العهد ليؤكد نفاذه وإتمامه (تفسير تك ١٥: ١٧، بحسب مضمون المصدر). ويقول القمص أنطونيوس فكري: لا تعهد من قبل أبرام، بل المصباح وحده يجوز بين القطع، إعلاناً أن الله هو الذي يتعهد أن يتمم عمله كاملاً بواسطة صليب ابنه (تفسير تك ١٥: ١٧، بحسب مضمون المصدر).
وهذا هو الإنجيل في سفر التكوين. خلاصنا لا يقوم على أمانتنا نحن، بل على أمانة الله. ويقول الذهبي الفم إن النار والتنور والمصابيح كشفت للبار ثبات العهد وحضور عمل الله (العظة ٣٧، الفقرة ١٢، ص ٣٤٩، بحسب مضمون المصدر). وتقول الرسالة إلى العبرانيين: «فإنه لما وعد الله إبراهيم، إذ لم يكن له أعظم يقسم به، أقسم بنفسه» (عب ٦: ١٣).
ويرى القمص تادرس ملطي في المشهد كله صورة لعمل المسيح: فقبيل غروب الشمس، أي في ملء الزمان، وقع على الرب سبات إذ أسلم الروح على الصليب، معلناً مرارة الخطية التي حدرتنا إلى العبودية؛ لكن الرب الراقد على الصليب ينزل إلى الجحيم ويخرج بنا «بأملاك جزيلة»، واهباً إيانا غنى الروح (تفسير تك ١٥، بحسب مضمون المصدر).
ويلخص القمص تادرس ملطي معنى المشهد في مذكرته عن إبراهيم في ثلاث نقاط: تنور الدخان يشير إلى ما سيحل بنسل إبراهيم من اضطهادات في مصر؛ ومصباح النار المتقد يشير إلى وجود الله الدائم وسط شعبه في الضيقات والآلام؛ ومصباح النار بمفرده يجوز بين القطع، إشارة إلى أن الله تحمل وحده مسؤولية تنفيذ الميثاق. وهكذا كانت مصالحتنا مع الله بموت المسيح إنعاماً من جانب الله نحو الإنسان الضعيف، الذي قابل العمل الفدائي بالصراخ: «اصلبه!» (ص ٦ من الملف، بحسب مضمون المصدر). ويرى القمص أنطونيوس فكري أن تنور الدخان يشير إلى ذبيحة المحرقة وآلام المسيح، ومصباح النار إلى حضور الله الذي قاد شعبه كعمود نار، وإلى الروح القدس الذي حل كألسنة نار (بحسب مضمون المصدر).
ويختم الإصحاح بحدود الأرض «من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات»، وبعشر أمم تسكنها. ويذكر القمص أنطونيوس فكري أن هذه الحدود تحققت في أيام سليمان (بحسب مضمون المصدر). وينقل القمص تادرس ملطي عن الأب سرابيون أن الأمم المطرودة تشير روحياً إلى الخطايا الكبرى التي ننتصر عليها بنعمة الله، مثل النهم والزنى ومحبة المال والغضب والكبرياء (تفسير تك ١٥، بحسب النقل).
٦. هاجر: حين نتعجّل وعد الله (تك ١٦: ١-٦)
(أ) عشر سنين من الانتظار
ينتقل بنا الكتاب من ليلة النجوم إلى مشهد آخر تماماً. فقد مرت «عشر سنين لإقامة أبرام في أرض كنعان» (تك ١٦: ٣)، أي صار أبرام في الخامسة والثمانين من عمره، ولا ابن. والقمص أنطونيوس فكري يضع هذا الإصحاح في مقابلة مع ما قبله: في الإصحاح السابق سمعنا «فآمن بالرب فحسبه له براً»، ونقرأ في الرسالة إلى العبرانيين: «وهكذا إذ تأنى نال الموعد» (عب ٦: ١٥)؛ أما هنا فنرى عكس التأني: التسرع والحلول البشرية. ويقول: القلق يعطل الإيمان (تفسير تك ١٦، بحسب مضمون المصدر).
ويلخص القمص تادرس ملطي الطريق الصحيح في مذكرته بعبارة تستحق أن نحفظها: الله يعطي الوعد، والإيمان يقبله، والرجاء يتوقعه، والصبر ينتظره بسكوت. ويقول إن التأخير حين يريده الله هو لخير الإنسان من وجوه كثيرة، منها التدرب على الفضيلة، كما يقول الكتاب: «متمثلين بالذين بالإيمان والأناة يرثون المواعيد» (عب ٦: ١٢). وينقل قول مار إسحق السرياني: إذا أنت طلبت ولم تأخذ، فلست أحكم من الله (ص ٦-٧ من الملف، بحسب مضمون المصدر).
ولكن الكتاب لا يقدم ساراي كامرأة شريرة. فكلماتها الأولى فيها اعتراف بالله: «هوذا الرب قد أمسكني عن الولادة». ويلاحظ الذهبي الفم أنها لم تلُم أحداً، بل نسبت الأمر إلى الله، على خلاف راحيل التي قالت فيما بعد ليعقوب: «هب لي بنين وإلا فأنا أموت» (تك ٣٠: ١) (العظة ٣٨، الفقرة ٣، ص ٣٥٧، بحسب مضمون المصدر). ويقول أيضاً إن أبرام لم يعيّرها قط بعقرها، وينتهر الأزواج الذين يحتقرون زوجاتهم إن لم ينجبن، لأن الخالق وحده يعطي البنين (العظة ٣٨، الفقرة ٤، ص ٣٥٧-٣٥٨، بحسب مضمون المصدر).
ويشرح المفسرون أن هذا الحل كان مقبولاً في عرف ذلك الزمان: أن تعطي الزوجة جاريتها لزوجها، فيُحسب المولود للسيدة لأن الجارية ونسلها ملك لها (القمص أنطونيوس فكري ومفسرو كنيسة مارمرقس، تفسير تك ١٦: ١، بحسب مضمون المصدرين). ويرجّح القمص أنطونيوس فكري أن هاجر كانت من الهدايا التي أخذها أبرام من فرعون في مصر، وكذلك يقول الذهبي الفم (العظة ٣٨، الفقرة ٣). وهنا نتذكر الجلسة الماضية: ما أخذه أبرام في مصر حين سقط في الخوف عاد ليكون سبب ألم في بيته بعد سنين.
(ب) «فسمع أبرام لقول ساراي»
هذه العبارة تذكّرنا بعبارة أخرى في سفر التكوين: «لأنك سمعت لقول امرأتك وأكلت من الشجرة» (تك ٣: ١٧). ويلاحظ القمص أنطونيوس فكري أن الشيطان قد يستخدم أقرب الناس إلينا لغوايتنا، كما استُخدمت حواء مع آدم (تفسير تك ١٦، بحسب مضمون المصدر). ويقول مفسرو كنيسة مارمرقس إن أبرام أطاع نصيحة زوجته لا لإتمام شهوة، بل محاولة لإتمام وعد الله بطريقة بشرية، ولكنه لم يسأل الله؛ ورغم صداقته مع الله أهمل الصلاة واستشارته في هذا الأمر (تفسير تك ١٦: ٢، بحسب مضمون المصدر). ويقول القمص تادرس ملطي إن هذا العمل يمثل اتكال الإنسان على ذاته، يخطط لنفسه دون الرجوع إلى الله وطلب مشورته (تفسير تك ١٦، بحسب مضمون المصدر).
ويرى ماير أن اقتراح ساراي خرج من محبة وتضحية، لكن فيه ضعف إيمان بقدرة الله؛ ويقول إن أخطر التجارب هي التي تأتي من صديق محب، ولذلك نحتاج أن نفحص كل اقتراح، حتى إن جاء من أقرب الناس إلينا. ويلاحظ أيضاً أننا كثيراً ما نلوم غيرنا على أخطاء كنا نحن الدافع إليها، كما قالت ساراي: «ظلمي عليك!» (ماير، «حياة إبراهيم»، ص ٧٣-٧٦، بحسب مضمون المصدر).
وهنا الدرس الكبير في هذا الإصحاح. الخطر ليس دائماً أن نترك وعد الله. الخطر أحياناً أن نؤمن بالوعد، ثم نحاول أن نحققه بطريقتنا وفي توقيتنا. أبرام وساراي لم يكفرا بالوعد؛ كانا يريدان الوعد، ولكن الآن.
ويلفت القمص تادرس ملطي النظر إلى تفصيلة دقيقة: بدأت ساراي اقتراحها بقولها «هوذا الرب قد أمسكني عن الولادة»، فبدا الحل البشري كأنه من الله. ويقول: أليست نسبة بعض أمورنا إلى الله هي أحياناً خطة إبليس؟ وينبه إلى خطورة الاستماع بلا تمييز: «فسمع أبرام لقول ساراي». ويقول أيضاً إن لإبراهيم بعض العذر، لكنه بلا شك كان مخطئاً (ص ٦ من الملف، بحسب مضمون المصدر). وهذا لا يلغي ما قلناه عن كلمات ساراي من اعتراف بالله، لكنه يعلمنا أن نفحص أفكارنا: ليس كل ما نقول عنه «هذا من الله» يكون من الله.
(ج) الثمر المر: الكبرياء واللوم والقسوة والهروب
انظروا كيف يتسلسل الألم في ثلاث آيات:
ويلخص القمص أنطونيوس فكري: هذه نتائج الحلول البشرية؛ فبعد أن كانت سارة تقول لإبراهيم «يا سيدي»، ها هي تتهمه بالظلم، وفقدت العائلة سلامها (تفسير تك ١٦: ٥، بحسب مضمون المصدر).
٧. «أنت إيل رئي»: الله الذي يرى (تك ١٦: ٧-١٦)
(أ) «فوجدها»
لاحظوا الفعل: «فوجدها». هاجر لم تكن تبحث عن الله؛ كانت هاربة. ولكن الله هو الذي وجدها. جارية مصرية، غريبة، حبلى، هاربة في البرية في طريقها إلى مصر، فلا أحد يبحث عنها. ويقول الذهبي الفم إن الله لا يهمل أحداً، لأنه لا ينظر إلى الفرق في المكانة، بل إلى حال النفس (العظة ٣٨، الفقرة ١٦، ص ٣٦٨، بحسب مضمون المصدر).
ويشرح القمص أنطونيوس فكري ومفسرو كنيسة مارمرقس أنها كانت متجهة غالباً إلى مصر موطنها، في «طريق شور»، وهو طريق للقوافل في البرية، وأنها استراحت عند عين ماء (تفسير تك ١٦: ٧، بحسب مضمون المصدرين).
(ب) سؤالان لكل نفس هاربة
«يا هاجر جارية ساراي، من أين أتيت؟ وإلى أين تذهبين؟». ناداها باسمها، ثم ذكّرها بموضعها: «جارية ساراي». ويقول الذهبي الفم إن الملاك ذكّرها بمكانها ليشفي كبرياءها، وإن هاجر أجابت بصدق ولامت نفسها (العظة ٣٨، الفقرة ١٦-١٧، ص ٣٦٨-٣٦٩، بحسب مضمون المصدر).
والسؤالان هما أهم سؤالين يمكن أن يُسألا لأي إنسان في البرية: من أين أتيت؟ أي: ما الذي تركته؟ وإلى أين تذهبين؟ أي: هل الطريق الذي تسيرين فيه يقود إلى الحياة؟ ويقدم القمص أنطونيوس فكري في هذه الآيات خطة الله مع كل خاطئ: كبرياء، ثم تجربة في البرية يشعر فيها الإنسان بمرارة الخطية، ثم الله يظهر له ولا يتركه وحده، ثم يدعوه إلى الرجوع إلى بيت القداسة، كما عاد الابن الضال (تفسير تك ١٦: ٨-١٠، بحسب مضمون المصدر).
(ج) «ارجعي واخضعي»
قد يبدو هذا الأمر صعباً: كيف يطلب الله من المظلومة أن ترجع؟ لكن الكتاب واضح أن خطية هاجر الأولى كانت الكبرياء. ويقول الذهبي الفم إن المعنى: لا تكوني ناكرة لجميل التي أحسنت إليك كثيراً، واتضعي؛ ويضيف أنه لا شيء أنفع لطبيعتنا من الاتضاع (العظة ٣٨، الفقرة ١٧ و١٩، ص ٣٦٩-٣٧٠، بحسب مضمون المصدر). والرجوع هنا ليس إلى عبودية بلا رجاء، بل إلى البيت الذي فيه الوعد، ومعه وعد من الله نفسه: «تكثيراً أكثر نسلك فلا يعد من الكثرة» (تك ١٦: ١٠).
ويقول القمص تادرس ملطي في مذكرته: عجيب أمر الإنسان الذي يرفعه الله من المذلة، ثم يتنكر لماضيه ويستعلي على من كانوا سبب نعمته؛ ويرى أن هروب هاجر كان خطأ، وكان ينبغي أن تقوّم سلوكها أمام سيدتها (ص ٧ من الملف، بحسب مضمون المصدر).
(د) «إسماعيل»: الله يسمع
اسم الطفل نفسه رسالة تعزية: «إسماعيل» أي «الله يسمع». كل مرة تنادي هاجر ابنها ستتذكر أن الله سمع لمذلتها. ويقول مفسرو كنيسة مارمرقس: الله يسمع لك عندما تكون في ضيقة وتطلبه، وإن طلب منك عكس ما كنت ترغب فاخضع لمشيئته لتجد راحة (تفسير تك ١٦: ١٠-١١، بحسب مضمون المصدر).
أما وصف إسماعيل بأنه «إنسان وحشي»، فيشرح القمص أنطونيوس فكري أن الكلمة في أصلها تشير إلى حمار الوحش، المعروف بقوته وحبه للحرية والانطلاق في الصحراء (تفسير تك ١٦: ١٢، بحسب مضمون المصدر). ويقول الذهبي الفم إنه وصف لرجل قوي محارب، يعيش حياة غير مستقرة (العظة ٣٨، الفقرة ٢٠، ص ٣٧٠، بحسب مضمون المصدر).
(هـ) «أنت إيل رئي»
ولعلها أول مرة في الكتاب المقدس يعطي فيها إنسان اسماً لله. ومن هو هذا الإنسان؟ ليس أبرام، ولا ملكي صادق، بل جارية مصرية هاربة. «أنت إيل رئي» أي: أنت الإله الذي يرى، الإله الذي رآني. ويشرح القمص أنطونيوس فكري أن المعنى أن الله الذي رأى مشقتها ظهر لها، وها هي تراه؛ وأن «بئر لحي رئي» تعني بئر الحي الذي يرى، أي استمرار الحياة بعد رؤية الرب (تفسير تك ١٦: ١٣-١٤، بحسب مضمون المصدر). ويقول الذهبي الفم إن هاجر صارت أكثر حكمة شيئاً فشيئاً من خلال الضيقة التي مرت بها (العظة ٣٨، الفقرة ٢٠، ص ٣٧٠-٣٧١، بحسب مضمون المصدر).
وهذا هو الاسم الثاني لله في جلستنا: الله الذي يرى. يرى الجارية التي لا يراها أحد، ويرى دموع من لا يُحسب له حساب في البيت. ويقترح ماير أن نردد في كل ضيق: الله هنا، الله قريب، الله يرى (ص ٧٨).
(و) من هو «ملاك الرب»؟
لاحظوا أن هاجر خاطبت «ملاك الرب» على أنه هو الرب نفسه: «فدعت اسم الرب الذي تكلم معها». وقال لها الملاك: «تكثيراً أكثر نسلك»، وهو كلام لا يقوله إلا الله. ويقول القمص أنطونيوس فكري إن هذه الجملة تظهر أن ملاك الرب هذا هو المسيح (تفسير تك ١٦: ١٠، بحسب مضمون المصدر). ويقول القمص تادرس ملطي إن كثيراً من المفسرين يرون فيها إحدى رؤى ابن الله (بحسب مضمون المصدر). ومن الآباء، يرى القديس هيلاري أسقف بواتييه أن الذي قام بخدمة الرسول كملاك لله هو نفسه الله بالاسم والطبيعة (عن الثالوث، NPNF Second Series, Vol. 9, p. 262، بحسب مضمون المصدر).
ويرى القمص تادرس ملطي والقمص أنطونيوس فكري في لقاء «عين الماء» صورة جميلة: المسيح نزل إلينا في بريتنا القاحلة ليلتقي بنا عند مياه المعمودية، ويردنا من الاتجاه نحو «مصر»، أي محبة العالم، إلى كنعان السماوية (بحسب مضمون المصدرين). وينقل القمص تادرس ملطي قول القديس مار يعقوب السروجي في ميمر المعمودية إن المعمودية باب يردنا إلى الفردوس (بحسب النقل). وفي الاتجاه نفسه يرى القديس غريغوريوس النيصي في البئر التي أراها الملاك لهاجر في البرية فيما بعد (تك ٢١) صورة للمعمودية (على معمودية المسيح، NPNF Second Series, Vol. 5, p. 976، بحسب مضمون المصدر).
وتنتهي القصة بالولادة: «فولدت هاجر لأبرام ابناً... كان أبرام ابن ست وثمانين سنة لما ولدت هاجر إسماعيل لأبرام» (تك ١٦: ١٥-١٦). ويلاحظ القمص أنطونيوس فكري أن أبرام ربما تصور أن هذا هو الابن الموعود به، ويقول: وهذا يحدث كثيراً معنا، أن نظن أن صوت إرادتنا الشخصية هو صوت الله (تفسير تك ١٦: ١٥، بحسب مضمون المصدر).
٨. هاجر وسارة: «وكل ذلك رمز» (غل ٤: ٢١-٣١)
قبل أن ننتقل إلى الإصحاح السابع عشر نتوقف دقائق عند قراءة القديس بولس لهذه القصة، لأنها مفتاح فهمها في الكنيسة.
ويشرح القديس يوحنا الذهبي الفم في تفسيره للرسالة إلى غلاطية أن بولس يسمي الرمز «مثلاً» أو «رمزاً»، لأن هذه القصة لا تعلن فقط ما يظهر على سطحها، بل تشير إلى شيء أبعد منه. فالقصة حدثت فعلاً، وفي الوقت نفسه تعلن سراً: هاجر تشير إلى سيناء والعهد القديم الذي يلد للعبودية، وسارة العاقر التي صارت مثمرة تشير إلى كنيسة الأمم التي وُلد أولادها «بالموعد» كما وُلد إسحاق (تفسير غلاطية ٤، NPNF First Series, Vol. 13, p. 68، بحسب مضمون المصدر). وينقل القمص تادرس ملطي عن الذهبي الفم قوله، بحسب المضمون: لم تكن الكنيسة عاقراً فقط كسارة، بل صارت مثلها أماً لأبناء كثيرين، وحبلت بهم لا بالطبيعة بل بوعد الله (تفسير تك ١٦، بحسب النقل).
ويقول القديس أغسطينوس إن إسماعيل وُلد بحسب الجسد بالطريقة العادية، أما ابن الموعد فكان لا بد أن يأتي بطريقة لا تقدر الطبيعة عليها؛ ففي الولادة الأولى يظهر عمل الإنسان، وفي الثانية يظهر لطف الله (مدينة الله، الكتاب ١٦، NPNF First Series, Vol. 2, p. 647، بحسب مضمون المصدر).
٩. «أنا الله القدير»: الاسم الجديد (تك ١٧: ١-٨)
(أ) ثلاث عشرة سنة من الصمت
آخر رقم سمعناه: «ابن ست وثمانين سنة» (تك ١٦: ١٦). والرقم التالي: «ابن تسع وتسعين سنة» (تك ١٧: ١). بين الاثنين ثلاث عشرة سنة لا يسجل فيها الكتاب كلمة واحدة من الله لأبرام. كبر إسماعيل وصار صبياً، وربما ظن أبرام أن الموضوع انتهى، وأن إسماعيل هو الوارث.
ويقول الذهبي الفم إن الله امتحن أبرام ثلاث عشرة سنة أخرى بعد ولادة إسماعيل، فتنقى كالذهب في الأتون، ولكي تظهر قدرة الله حين تعجز الطبيعة تماماً (العظة ٣٩، الفقرة ٤-٥، ص ٣٧٦-٣٧٧، بحسب مضمون المصدر). ويعلمنا ألا نقلق من التأخير، بل أن نثق بقدرة الله حتى إن بدت الأمور بالعين الجسدية مضادة للوعد (العظة ٣٩، الفقرة ٢-٣، ص ٣٧٥، بحسب مضمون المصدر).
(ب) «أنا الله القدير. سر أمامي وكن كاملاً»
ويعلن الله نفسه باسم جديد: «أنا الله القدير» («إيل شداي» في العبرية). ويشرح القمص أنطونيوس فكري أن معناه: الذي فيه كل الكفاية، الذي يسكب كل النعم عليك بغنى واستمرار (تفسير تك ١٧: ١، بحسب مضمون المصدر). ويقول مفسرو كنيسة مارمرقس إن الله أعلن نفسه بـ«القدير» لأنه يقدر على كل شيء، حتى ما يفوق العقل، وهو أن تنجب سارة وعمرها تسعون عاماً (تفسير تك ١٧: ١، بحسب مضمون المصدر). وهذا هو الاسم الثالث في جلستنا: الله القدير.
ثم الوصية: «سر أمامي وكن كاملاً». ويقول القمص أنطونيوس فكري إن السير مع الله هو الفضيلة التي نُسبت لأخنوخ ثم لنوح، وإن «كن كاملاً» جاءت بعد ضعف الإيمان الذي ظهر في قصة هاجر (تفسير تك ١٧: ١، بحسب مضمون المصدر).
ويضيف القمص تادرس ملطي في مذكرته أن عبارة «كن كاملاً» تعني ضمناً أن الله يسمح بالضيقة من أجل تكميل الإنسان، كما قيل عن المسيح نفسه: «أن يكمل رئيس خلاصهم بالآلام» (عب ٢: ١٠) (ص ٧ من الملف، بحسب مضمون المصدر).
وماذا يعني «كاملاً»؟ يقول ماير إنه لا يعني عدم الخطية، فبولس نفسه يقول: «ليس أني قد نلت أو صرت كاملاً، ولكني أسعى» (في ٣: ١٢)؛ بل يعني قلباً مخلصاً لله بكليته: «لأن عيني الرب تجولان في كل الأرض ليتشدد مع الذين قلوبهم كاملة نحوه» (٢أخ ١٦: ٩) (ماير، «حياة إبراهيم»، ص ٨٠-٨١، بحسب مضمون المصدر). ونكمّل ذلك بتعليم الآباء: الكمال ليس نقطة نصل إليها ونقف، بل نمو دائم في القداسة والشركة مع الله. وفي الترجمة السبعينية التي يقرأ منها الذهبي الفم: «كن مرضياً أمامي». وفي نص الذهبي الفم أيضاً: «أنا إلهك». ويلاحظ أن الله لم يقل «أنا الله» بل «أنا إلهك»، فخالق الكل يقبل أن يُنسب إلى عبده فيُدعى «إله إبراهيم» (العظة ٣٩، الفقرة ٦-٧، ص ٣٧٨-٣٧٩، بحسب مضمون المصدر).
«فسقط أبرام على وجهه». ويقول الذهبي الفم: هكذا النفس الحكيمة، كلما ازدادت دالتها عند الله ازدادت خشوعاً أمامه (العظة ٣٩، الفقرة ٨، ص ٣٧٩، بحسب مضمون المصدر). في الإصحاح الخامس عشر رأينا الدالة: «ماذا تعطيني؟»، وهنا نرى الخشوع. والاثنان معاً هما الصلاة الحقيقية.
(ج) من «أبرام» إلى «إبراهيم»
«فلا يدعى اسمك بعد أبرام بل يكون اسمك إبراهيم». ويشرح القمص تادرس ملطي أن «أبرام» معناه «أب مكرّم»، أما «إبراهيم» فمعناه «أب جمهور»؛ وكذلك «ساراي» معناه «أميرتي»، و«سارة» معناه «أميرة»، أي لم تعد أميرة لإبراهيم وحده، بل أماً يعتز بها جميع المؤمنين (تفسير تك ١٧، بحسب مضمون المصدر). ويقول القمص أنطونيوس فكري إن تغيير الاسم يشير إلى تجديد البشرية، وإن الإنسان حين يتحد بالله يخرج من ذاته ليهتم بالآخرين (تفسير تك ١٧: ٤-٥، بحسب مضمون المصدر).
وفي كنيستنا نعرف هذا المعنى جيداً. يذكر القمص أنطونيوس فكري ومفسرو كنيسة مارمرقس أن الكنيسة اعتادت أن تغير الأسماء عند الرسامات بالمعنى نفسه، حتى يشعر الكاهن أو الراهب أنه يحيا الآن حياة جديدة، وأن كثيرين يعطون أطفالهم أسماء جديدة عند المعمودية إعلاناً للبركة الجديدة (بحسب مضمون المصدرين). وكل واحد منا نال «اسماً جديداً» حين صار مسيحياً: «إذاً إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة: الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديداً» (٢كو ٥: ١٧).
ويقول القديس أغسطينوس إن تغيير أسماء الوالدين يعلن أن كل شيء صار جديداً، وإن العهد الجديد كان مرسوماً كظل في القديم (مدينة الله، الكتاب ١٦، NPNF First Series, Vol. 2, p. 739، بحسب مضمون المصدر).
(د) «هوذا عهدي معك»: الله يعطي نفسه
«أما أنا فهوذا عهدي معك... لأكون إلهاً لك ولنسلك من بعدك» (تك ١٧: ٤، ٧). وينقل القمص تادرس ملطي عن القديس أكليمنضس الإسكندري أن الله لم يطلب من أبرام أن يدخل معه في عهد فقط، بل قدم نفسه عهداً له؛ فالعهد ليس تعهدات مكتوبة، بل هو قبول الله نفسه، الذي فيه نجد سلامنا وشبعنا (تفسير تك ١٧، بحسب النقل). ويقول الذهبي الفم إن «لأكون إلهاً لك» هي قمة الخيرات كلها، وكأن الله يقول: لا أطلب منك شيئاً إلا الطاعة والشكر (العظة ٣٩، الفقرة ١٢، ص ٣٨٣، بحسب مضمون المصدر).
١٠. علامة العهد: الختان واليوم الثامن (تك ١٧: ٩-١٤)
(أ) لماذا علامة في الجسد؟
يشرح القمص تادرس ملطي والقمص أنطونيوس فكري أن الإنسان قبل السقوط لم يكن يحتاج إلى علامة للعهد، إذ كان متجاوباً مع خالقه بالحب؛ أما بعد السقوط فاحتاج إلى علامات يشعر بها بحضور الله ومحبته. فبعد الطوفان أعطى الله علامة قوس قزح في السماء، والآن يعطي علامة ثابتة في جسد الإنسان (تفسير تك ١٧، بحسب مضمون المصدرين). ويقول مفسرو كنيسة مارمرقس إن الله أراد أن تكون العلامة في جسد الإنسان طوال حياته حتى لا ينسى عهده مع الله، وإن قطع جزء من الجسد يعني قطع الشر من الحياة (تفسير تك ١٧: ٩-١١، بحسب مضمون المصدر).
ويلاحظ مفسرو كنيسة مارمرقس أيضاً أن العهد شمل العبيد، «وليد البيت والمبتاع بفضة»، وأن هذا معناه أن رعاية الله للفقراء مثل الأغنياء، وللمحتقرين كما للعظماء، فالله أب للكل (تفسير تك ١٧: ١٢-١٣، بحسب مضمون المصدر).
(ب) البر قبل الختان
وهنا ملاحظة مهمة من القديس بولس. متى حُسب لإبراهيم البر؟ في الإصحاح الخامس عشر، قبل الختان بأكثر من ثلاث عشرة سنة. يقول الرسول: «فكيف حسب؟ أوهو في الختان أم في الغرلة؟ ليس في الختان، بل في الغرلة! وأخذ علامة الختان ختماً لبر الإيمان الذي كان في الغرلة، ليكون أباً لجميع الذين يؤمنون» (رو ٤: ١٠-١١). ويقول القديس أغسطينوس إن إبراهيم لم يكن قد اختتن بعد حين آمن وحُسب له إيمانه براً (مدينة الله، الكتاب ١٦، NPNF First Series, Vol. 2, p. 734، بحسب مضمون المصدر). ويقول الذهبي الفم إن إبراهيم أرضى الله زمناً طويلاً قبل أن يختتن، وإن الختان كان ختماً لبر الإيمان (العظة ٣٩، الفقرة ١٦ و١٨، ص ٣٨٥-٣٨٧، بحسب مضمون المصدر). ويقول القديس كيرلس الأورشليمي إن مثال إيمان إبراهيم هو الذي يجعلنا جميعاً أبناء لإبراهيم (العظات للموعوظين، العظة ٥، NPNF Second Series, Vol. 7, p. 151، بحسب مضمون المصدر).
(ج) اليوم الثامن
«ابن ثمانية أيام يختن». لماذا اليوم الثامن؟ يشرح القمص تادرس ملطي والقمص أنطونيوس فكري أن رقم ٧ يشير إلى حياتنا الزمنية، أيام الأسبوع السبعة، أما الثامن فيعني الدخول إلى ما وراء الزمن، إلى الحياة الأبدية (بحسب مضمون المصدرين). ويقول مفسرو كنيسة مارمرقس إن اليوم الثامن هو يوم قيامة المسيح الذي أتى بعد السبت، والقيامة هي الحياة الجديدة، ولذلك تحرص الكنيسة على معمودية الأطفال (تفسير تك ١٧: ١٢، بحسب مضمون المصدر).
وهذا ما يقوله الآباء بوضوح. يقول القديس كيرلس الإسكندري في تفسيره لإنجيل لوقا إن المسيح قام من الأموات في اليوم الثامن وأعطانا الختان الروحي، وإن هذا الختان الروحي يتم أساساً في المعمودية المقدسة (تفسير إنجيل لوقا، بحسب مضمون المصدر). ويقول القديس يوستينوس الشهيد إن وصية الختان في اليوم الثامن كانت رمزاً للختان الحقيقي الذي نُختن به من الضلال والإثم بالمسيح الذي قام في اليوم الأول بعد السبت، وهو أيضاً اليوم الثامن (الحوار مع تريفو، ANF Vol. 1, p. 576، بحسب مضمون المصدر). وينقل القمص تادرس ملطي عن القديس أغسطينوس قوله: ماذا يعني الختان سوى تجديد الطبيعة البشرية بنزع الإنسان القديم؟ وماذا تعني الأيام الثمانية سوى المسيح الذي قام بعدما أكمل الأسبوع؟ (تفسير تك ١٧، بحسب النقل).
وفي حياة كنيستنا نحتفل بـعيد الختان المجيد للسيد المسيح، تذكاراً لما يقوله الإنجيل: «ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمي يسوع» (لو ٢: ٢١). ويرنم القديس مار أفرام السرياني للطفل الذي جاء في اليوم الثامن ليُختن، وهو الذي يختن الجميع، وأخذ علامة إبراهيم في جسده، وجعل علامته ختان القلب (ترانيم الميلاد، NPNF Second Series, Vol. 13, pp. 474, 533، بحسب مضمون المصدر).
(د) من الختان إلى المعمودية
يقول الرسول: «وبه أيضاً ختنتم ختاناً غير مصنوع بيد، بخلع جسم خطايا البشرية، بختان المسيح. مدفونين معه في المعمودية، التي فيها أقمتم أيضاً معه» (كو ٢: ١١-١٢). ويقول القديس يوحنا الدمشقي إن الختان كان رمزاً للمعمودية: فكما أن الختان لا يقطع عضواً نافعاً من الجسد بل زيادة لا نفع منها، هكذا نُختن في المعمودية المقدسة من الخطية (المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، ٤: ٢٥، NPNF Second Series, Vol. 9, p. 769، بحسب مضمون المصدر). ويقول الذهبي الفم: ما كان يحققه الختان قديماً بخلع الجسد، تحققه المعمودية بخلع الخطايا (العظة ٣٩، الفقرة ١٩، ص ٣٨٨، بحسب مضمون المصدر). ويقارن بينهما: المعمودية بلا ألم، وتملؤنا بنعمة الروح، وتُعطى في كل سن، وفيها غفران الخطايا (العظة ٤٠، الفقرة ١٦، ص ٣٩٧، بحسب مضمون المصدر).
ويشرح الأنبا بيشوي هذا المعنى بتوسع. فعهد الختان عهد دم، لأن العهد بين الله وإبراهيم عهد خلاص يشير إلى الخلاص بدم المسيح: «وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة!» (عب ٩: ٢٢). ولاحظوا أن الله لم يعطِ عهد الختان إلا وهو يتكلم عن ولادة إسحاق. فالإنسان يولد أولاً بحسب الجسد من أبيه وأمه، ثم يولد من بطن الكنيسة في المعمودية: «إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله. المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح» (يو ٣: ٥-٦). ولذلك كان الختان رمزاً للمعمودية، والله اليوم لا يأمر بالختان بل بالمعمودية: «من آمن واعتمد خلص» (مر ١٦: ١٦) (الأنبا بيشوي، «إبراهيم أب الآباء»، ص ٣٧-٣٨ بحسب الترقيم المطبوع، بحسب مضمون المصدر).
ويقول الأنبا بيشوي إن المعمودية بداية الطريق إلى أورشليم السمائية، وإن العهد الذي صنعه المسيح بدم صليبه هو عهد خلاص وعهد عبور وعهد حرية. ثم يحذر: المسيحية ولادة جديدة، لكنها ليست ولادة شكلية طقسية تمارس في ماء المعمودية فقط، بل ولادة حقيقية سمائية من الماء والروح بالإيمان، تظهر في حياة جديدة (المرجع نفسه، ص ٤٠-٤١، بحسب مضمون المصدر).
ويقدم القمص أنطونيوس فكري مقارنة واضحة نعرضها في جدول:
(هـ) ختان القلب
لم يكن ختان الجسد هو الهدف الأخير حتى في العهد القديم. يقول موسى: «فاختنوا غرلة قلوبكم، ولا تصلبوا رقابكم بعد» (تث ١٠: ١٦)، ويعد: «ويختن الرب إلهك قلبك وقلب نسلك، لكي تحب الرب إلهك من كل قلبك» (تث ٣٠: ٦). ويقول القديس بولس: «وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان» (رو ٢: ٢٩)، و«لأننا نحن الختان، الذين نعبد الله بالروح» (في ٣: ٣).
وينقل القمص تادرس ملطي عن العلامة أوريجانوس تأملاً عملياً جميلاً: تُختن الأذن إن انغلقت أمام الوشاية والكذب والغضب؛ ويُختن الفم حين نمتنع عن النميمة ونمسك لساننا؛ ويُختن القلب حين نحتفظ بنقاوة الإيمان في استقامة الضمير؛ وتحتاج اليدان والرجلان والعينان كذلك إلى ختان، فتمتنع اليدان عن الظلم وتمتدان لعمل الرب، ولا تسرع الرجلان إلى الشر، ولا تنظر العينان بحسد أو شهوة (تفسير تك ١٧، بحسب نقل القمص تادرس ملطي عن العلامة أوريجانوس).
ويرى ماير في علامة الختان ثلاثة شروط لصداقة الله، لأن إبراهيم دُعي «خليل الله» (يع ٢: ٢٣): الانفصال عن الشر دون أن نهرب من خدمة العالم، والطهارة، والطاعة السريعة، كما أطاع إبراهيم «في ذلك اليوم عينه». ويذكّرنا بقول الرب: «لا أعود أسميكم عبيداً... لكني قد سميتكم أحباء» (يو ١٥: ١٥) (ماير، «حياة إبراهيم»، ص ٨٦-٩١، بحسب مضمون المصدر).
١١. ضحك إبراهيم: إسحاق وإسماعيل (تك ١٧: ١٥-٢٧)
(أ) ضحكة الدهشة
لأول مرة يعلن الله صراحة أن الوارث سيكون من سارة نفسها. وضحك إبراهيم. هل ضحك شكاً؟ يقول القديس أغسطينوس: ضحك إبراهيم هو ابتهاج من يفرح، لا سخرية من يشك (مدينة الله، الكتاب ١٦، NPNF First Series, Vol. 2, p. 739، بحسب مضمون المصدر). ويقول القمص تادرس ملطي إن ضحكه يعلن شدة دهشته لعمل الله، أما علامة إيمانه فهي سقوطه على وجهه يقدم الشكر (تفسير تك ١٧، بحسب مضمون المصدر). ويقول الذهبي الفم المعنى نفسه: «وضحك» أي امتلأ فرحاً (العظة ٤٠، الفقرة ٤-٥، ص ٣٩١، بحسب مضمون المصدر). ويلاحظ مفسرو كنيسة مارمرقس أن الله لم يعاتب إبراهيم على ضحكه كما عاتب سارة فيما بعد (تك ١٨: ١٣) (تفسير تك ١٧: ١٧، بحسب مضمون المصدر). وهذا ما يقوله الرسول: «ولا بعدم إيمان ارتاب في وعد الله، بل تقوى بالإيمان معطياً مجداً لله. وتيقن أن ما وعد به هو قادر أن يفعله أيضاً» (رو ٤: ٢٠-٢١).
ولذلك جاء اسم الابن «إسحاق»، أي «يضحك». ويقول القمص تادرس ملطي إن إنساننا الجديد الذي نلناه في مياه المعمودية هو إسحاق الحقيقي، نقبله بفرح من فرط العطية الموهوبة لنا (بحسب مضمون المصدر).
(ب) «ليت إسماعيل يعيش أمامك!»
هنا نرى قلب الأب. إسماعيل صار في الثالثة عشرة، وأبوه يحبه. ويقول الذهبي الفم إن هذه الكلمة شكر لا رفض، كأن إبراهيم يقول: يكفيني ما أعطيتني (العظة ٤٠، الفقرة ٥، ص ٣٩١-٣٩٢، بحسب مضمون المصدر). ويقدم القمص أنطونيوس فكري معنيين: أنا يا رب مكتفٍ بإسماعيل الذي أعطيتني، فاحفظه ليحيا في طاعتك؛ أو: إن كنت ستعطيني ابناً آخر فلا تحرم هذا من بركاتك (تفسير تك ١٧: ١٨، بحسب مضمون المصدر).
والله يسمع للاثنين معاً: «وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيراً جداً. اثني عشر رئيساً يلد» (تك ١٧: ٢٠). ولاحظوا الكلمة: «سمعت لك فيه». «إسماعيل» نفسه اسمه «الله يسمع»، والله يسمع لأبيه من أجله. ولكن العهد يبقى لإسحاق، ابن الموعد. ويقول القمص تادرس ملطي إن الله حدد اسم الابن لينزع من فكر إبراهيم أن الابن الطبيعي هو الوارث، لأن الذي يرث هو ابن الموعد الذي لم يكن ممكناً أن يأتي بحسب قوة الطبيعة (بحسب مضمون المصدر). ويقول الذهبي الفم إن الله يقول بمعنى كلامه: أنا رب الطبيعة؛ إن كنت قد خلقتها من العدم، فكم بالأولى أقدر أن أصلح عجزها وهي موجودة (العظة ٤٠، الفقرة ٦، ص ٣٩٢، بحسب مضمون المصدر).
ويلاحظ القديس كيرلس الأورشليمي أن الله الذي أعطى سارة العجوز العاقر أن تلد ضد الطبيعة، هو نفسه الذي جعل العذراء تحبل (العظات للموعوظين، العظة ١٢، NPNF Second Series, Vol. 7, p. 248، بحسب مضمون المصدر). ويرى القمص أنطونيوس فكري في سارة رمزاً للقديسة العذراء مريم في أمومتها، وفي أنها ولدت ابناً فوق الطبيعة (تفسير تك ١٧: ١٥، بحسب مضمون المصدر).
(ج) «في ذلك اليوم عينه»
ينتهي الإصحاح بكلمتين عن الطاعة: «في ذلك اليوم عينه». ويقول القمص أنطونيوس فكري إن إبراهيم لم يخجل وهو ابن تسع وتسعين سنة أن يختتن، مع أن ذلك قد يصير سخرية من الناس، لأنه كصديق لله ليس أمامه سوى أن يطيع في محبة ودون مناقشة؛ ويقارن ذلك بموسى الذي أجّل ختان ابنه (تفسير تك ١٧: ٢٣-٢٦، بحسب مضمون المصدر). ويقول الذهبي الفم إن إبراهيم أطاع في الحال دون أن يطلب تفسيراً، بخلاف كثيرين يتساءلون في أمور الله: ما الفائدة من هذا؟ (العظة ٤٠، الفقرة ١٤-١٥، ص ٣٩٦-٣٩٧، بحسب مضمون المصدر). ويقول مفسرو كنيسة مارمرقس: ما أجمل الطاعة الفورية لكلام الله؛ إن سمعت صوته في الكتاب المقدس أو في عظة أو على لسان أب اعترافك، فأطعه سريعاً ولا تؤجل (تفسير تك ١٧: ٢٣-٢٧، بحسب مضمون المصدر).
وهكذا يكتمل الطريق في هذه الإصحاحات: من «آمن» (تك ١٥: ٦)، مروراً بالتعجل وثمره المر (تك ١٦)، إلى «في ذلك اليوم عينه» (تك ١٧: ٢٦). الإيمان الذي بدأ تحت النجوم صار طاعة في الجسد.
١٢. المسيح في الإصحاحات الثلاثة
في هذه الإصحاحات نرى المسيح في صور كثيرة، بعضها يقدمه الآباء صراحة، وبعضها تأملات المفسرين، وقد ميّزنا بينها:
ويختم الرب يسوع نفسه هذا الخط كله بقوله: «أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح» (يو ٨: ٥٦). فرح إبراهيم وضحكه في الإصحاح السابع عشر كان بداية فرح أعظم: فرح من رأى من بعيد يوم المسيح.
١٣. ماذا تقول لنا هذه الإصحاحات اليوم؟
نخرج من الجلسة بأربعة أسئلة، على عدد المواقف والأسماء التي رأيناها:
(أ) هل أؤمن حين لا أرى؟
أبرام لم يرَ شيئاً من الوعد ليلة النجوم، ومع ذلك آمن. والسؤال: ما الوعد من كلمة الله الذي أحتاج أن أتمسك به الآن، قبل أن أرى أي نتيجة؟
(ب) أين «هاجر» في حياتي؟
ساراي وأبرام لم يرفضا الوعد، بل تعجّلاه. والسؤال: أين أحاول أن أصنع بيدي ما وعد الله أن يصنعه هو؟ وما القرار الذي أحتاج أن أصلي من أجله قبل أن أتخذه؟
(ج) هل أعيش اسمي الجديد؟
إبراهيم أخذ اسماً جديداً وعلامة في جسده. ونحن أخذنا في المعمودية اسماً وختماً وروحاً. والسؤال: ما الذي في حياتي يحتاج إلى «ختان القلب»؟
(د) هل أصدّق أن الله يراني؟
هاجر قالت: «أنت إيل رئي». والسؤال: هل أعيش كمن يراه الله، فأتعزى في ضيقي وأتقدس في خلوتي؟ ومن هو الإنسان الذي أحتاج أن «أراه» كما رآه الله؟
١٤. مناقشة جماعية
١٥. الخلاصة
رأينا اليوم ثلاثة إصحاحات من قصة أبرام. في الأول جاءه الرب في الليل وقال: «لا تخف... أنا ترس لك»، فكشف له أبرام جرحه، فأخرجه الرب إلى خارج وأراه النجوم، «فآمن بالرب فحسبه له براً». ثم قطع الرب معه عهداً بين الذبائح المشقوقة، واجتاز وحده بينها، تنوراً ومصباح نار. وفي الثاني تعب أبرام وساراي من الانتظار، فلجآ إلى هاجر، فدخل الكبرياء واللوم والقسوة إلى البيت، وهربت هاجر؛ لكن ملاك الرب وجدها عند عين الماء، فدعته: «أنت إيل رئي». وفي الثالث، بعد ثلاث عشرة سنة من الصمت، ظهر الله القدير، فغيّر اسم أبرام إلى إبراهيم وساراي إلى سارة، وأعطاه علامة الختان، ووعده بإسحاق، فضحك إبراهيم فرحاً، وأطاع «في ذلك اليوم عينه».
ونخرج بثلاثة مواقف: آمن، وتعجّل، وتجدّد. وبثلاثة أسماء لله: الترس، والذي يرى، والقدير. وبصورة المسيح: النسل الذي تتبارك فيه الأمم، والذي ختم العهد بصليبه، وقام في اليوم الثامن، وأعطانا في المعمودية اسماً جديداً.
١٦. الواجب الأسبوعي
١٧. صلاة ختامية
أيها الرب الإله، الترس الذي يحمينا، والإله الذي يرانا، والقدير الذي لا يعسر عليه أمر؛ نشكرك على هذه الساعة التي جمعتنا فيها حول كلمتك.
يا من أخرجت أبرام من خيمته ليرى النجوم، أخرجنا من ضيق أفكارنا لنؤمن بمواعيدك. يا من وجدت هاجر عند عين الماء، ابحث عن كل نفس هاربة منا وردّها إلى بيتك. يا من أعطيت إبراهيم اسماً جديداً وعهداً أبدياً، جدّد فينا نعمة المعمودية، واختن قلوبنا وآذاننا وألسنتنا وعيوننا، لنحيا أمامك كاملين.
احفظنا من أن نتعجل مواعيدك بطرقنا البشرية، وعلّمنا أن ننتظرك بصبر، وأن نطيعك «في ذلك اليوم عينه». احفظ كل من حضر وبيته وأسرته، وارحم المتفرقين، واجمعنا في الكنيسة الواحدة الجامعة، ولك المجد مع أبيك الصالح والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. بشفاعة والدة الإله القديسة العذراء مريم، وصلوات القديسين مار بطرس ومار أندراوس. آمين.
١٨. توزيع الوقت المقترحللخادم
المجموع نحو ٨٦ دقيقة، وهو يناسب اجتماعاً مدته ساعة ونصف الساعة (من ٦:٣٠ إلى ٨:٠٠) مع دقائق للترحيب والترنيمة والإعلانات. وهذه أزمنة تقديرية، يضبطها القائم بالخدمة بحسب المجموعة. وقد زادت المخطوطة بعد إضافة كتب إبراهيم الثلاثة، فعند ضيق الوقت تُختصر أقوال ماير أولاً، ثم الرموز في القسم ٥ (ب).
١٩. حالة المصادر (للخادم)للخادم
ما اعتُمد عليه أساساً:
نقاط قُدمت بحذر أو كتأمل:
لم يُستخدم: كتاب البابا شنوده الثالث «بعض شخصيات الكتاب» (لم يكن ضمن الملفات المرسلة لهذه الجلسة)؛ والتفاسير الإنجليزية البروتستانتية (ماثيو هنري وغيره) لم يُنقل عنها شيء في المخطوطة.
٢٠. المراجع المستخدمة
الكتاب المقدس، سفر التكوين ١٥-١٧ (ترجمة فان دايك)، مع النصوص الأخرى المقتبسة.
تفسير سفر التكوين، القمص تادرس يعقوب ملطي، الإصحاحات ١٥ و١٦ و١٧.
تفسير سفر التكوين، القمص أنطونيوس فكري، الإصحاحات ١٥ و١٦ و١٧.
تفسير سفر التكوين، كهنة وخدام كنيسة مارمرقس بمصر الجديدة، الإصحاحات ١٥ و١٦ و١٧.
St. John Chrysostom, Homilies on Genesis 18-45, trans. Robert C. Hill, Fathers of the Church 82: Homilies 36-40 (pp. 324-399).
St. John Chrysostom, Homilies on Galatians (Gal 4), NPNF I, Vol. 13, p. 68; Homilies on Acts, NPNF I, Vol. 11, p. 184.
St. Augustine, City of God XVI, NPNF I, Vol. 2, pp. 647, 734, 739.
St. Cyril of Alexandria, Commentary on Luke (on the Circumcision of Christ).
St. John of Damascus, Exact Exposition of the Orthodox Faith IV.25, NPNF II, Vol. 9, p. 769.
St. Cyril of Jerusalem, Catechetical Lectures V and XII, NPNF II, Vol. 7, pp. 151, 248.
St. Justin Martyr, Dialogue with Trypho 41, ANF Vol. 1, p. 576.
St. Ephrem the Syrian, Nativity Hymns, NPNF II, Vol. 13, pp. 474, 533.
St. Gregory of Nyssa, On the Baptism of Christ, NPNF II, Vol. 5, p. 976.
St. Hilary of Poitiers, On the Trinity IV, NPNF II, Vol. 9, p. 262.
St. John Cassian, Conference 14, NPNF II, Vol. 11, p. 1102.
مجموعة أقوال قداسة البابا شنوده الثالث (من محرك البحث الآبائي).
الأنبا بيشوي، إبراهيم أب الآباء، مطرانية دمياط وكفر الشيخ والبرارى، ٢٠١١ (ص ٣٢-٤١، ٦١-٦٤ بحسب الترقيم المطبوع).
القمص تادرس يعقوب ملطي، إبراهيم أب الآباء (مذكرة، ص ٥-٧ من الملف).
F. B. Meyer (ف. ب. ماير)، حياة إبراهيم وطاعة الإيمان، ترجمة القمص مرقس داود، الفصول ١٠-١٤ (ص ٦٠-٩١).


























ما نراه في النص، وكيف يكتمل في المسيح.
للمناقشة والتأمل
- «لا تخف يا أبرام». لماذا يأتي الخوف أحياناً بعد انتصار روحي أو بعد تضحية كبيرة؟ وكيف نسمع كلمة «أنا ترس لك» في هذه اللحظات؟
- «ماذا تعطيني؟». هل يحق لنا أن نكلم الله بصراحة عن جراحنا وانتظارنا؟ ما الفرق بين الدالة والتذمر؟
- لم يجتز أبرام بين القطع، بل الله وحده. ماذا يعني لي أن خلاصي قائم على أمانة الله لا على أمانتي أنا؟
- ما أمثلة «الحلول البشرية» التي نلجأ إليها في البيت والعمل والخدمة حين يتأخر الله في نظرنا؟ وكيف نميز بين التدبير الحكيم والتعجل؟
- «يا هاجر... من أين أتيت؟ وإلى أين تذهبين؟». لو سأل الله كل واحد منا هذين السؤالين الليلة، فماذا نجيب؟
- ما معنى «ختان القلب» في حياتنا العملية؟ وكيف نعيش معموديتنا كل يوم؟
تطبيق الأسبوع
- الكتاب المقدس، سفر التكوين ١٥-١٧ (ترجمة فان دايك)، مع النصوص الأخرى المقتبسة.
- تفسير سفر التكوين، القمص تادرس يعقوب ملطي، الإصحاحات ١٥ و١٦ و١٧.
- تفسير سفر التكوين، القمص أنطونيوس فكري، الإصحاحات ١٥ و١٦ و١٧.
- تفسير سفر التكوين، كهنة وخدام كنيسة مارمرقس بمصر الجديدة، الإصحاحات ١٥ و١٦ و١٧.
- St. John Chrysostom, Homilies on Genesis 18-45, trans. Robert C. Hill, Fathers of the Church 82: Homilies 36-40 (pp. 324-399).
- St. John Chrysostom, Homilies on Galatians (Gal 4); Homilies on Acts.
- St. Augustine, City of God XVI · St. Cyril of Alexandria, Commentary on Luke · St. John of Damascus, Exact Exposition IV.25 · St. Cyril of Jerusalem, Catechetical Lectures V, XII · St. Justin Martyr, Dialogue 41 · St. Ephrem, Nativity Hymns · St. Gregory of Nyssa, On the Baptism of Christ · St. Hilary, On the Trinity IV · St. John Cassian, Conference 14.
- الأنبا بيشوي، إبراهيم أب الآباء، مطرانية دمياط وكفر الشيخ والبرارى، ٢٠١١ (ص ٣٢-٤١، ٦١-٦٤).
- القمص تادرس يعقوب ملطي، إبراهيم أب الآباء (مذكرة).
- F. B. Meyer (ف. ب. ماير)، حياة إبراهيم وطاعة الإيمان، ترجمة القمص مرقس داود، الفصول ١٠-١٤.
- مجموعة أقوال قداسة البابا شنوده الثالث.