الأمم وبرج بابل
رأينا أن الله بارك نوحاً وبنيه، فتكاثروا وانتشروا وصار لهم أمم كثيرة، ومن بينهم نحن. ورأينا أن الإنسان، بدل أن يشكر، أراد أن يبني لنفسه «مدينة وبرجاً واسماً» ضماناً من الله، فكشف الله بلبلة قلبه ببلبلة لسانه، وبدّدهم رحمةً لا انتقاماً. ثم رأينا أن الله نزل، في المسيح، ليعطي اسماً فوق كل اسم، وأن الروح القدس جمع في الخمسين ما فرّقته الكبرياء. وانتهينا بخيمة أبرام: رجل ضعيف في عائلة وثنية، دعاه الله ليعظم اسمه ويبارك به كل قبائل الأرض.
ونخرج بثلاثة أسئلة: أي اسم أصنع لنفسي؟ أين أحتمي؟ وحدتنا حول ماذا؟
١. صلاة الافتتاح
أيها الرب الإله، يا من باركت نوحاً وبنيه وقلت لهم: «أثمروا واكثروا واملأوا الأرض»، ويا من تنزل إلينا لا لتهلكنا بل لتخلصنا؛ نأتي إليك الآن طالبين أن تفتح عيون قلوبنا لنفهم كلمتك.
يا من بلبلت ألسنة المتكبرين لكي لا يهلكوا في كبريائهم، وجمعت ألسنة المتواضعين بروحك القدوس في يوم الخمسين، اجمعنا نحن أيضاً في وحدة المحبة، واعطنا أن نطلب مجد اسمك وحده لا مجد أسمائنا.
بارك هذا الاجتماع وكل من حضر ليسمع كلمتك، بشفاعة والدة الإله القديسة العذراء مريم، وصلوات القديسين مار بطرس ومار أندراوس. آمين.
٢. مراجعة سريعة: ماذا رأينا في الجلسة الماضية؟
في جلستنا الماضية وقفنا مع نوح عند الفلك والطوفان. رأينا الأرض تمتلئ ظلماً، ورأينا أن «وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب» (تك ٦: ٨). رأينا الباب في جنب الفلك صورة لجنب المسيح، والطوفان صورة للمعمودية، والحمامة وغصن الزيتون صورة لعمل الروح القدس.
وانتهينا بوعد الله: «لا يكون أيضاً طوفان ليخرب الأرض» (تك ٩: ١١)، وبالقوس في السحاب علامة للعهد. وسمعنا من فم الله بركة قديمة تتجدد: «أثمروا واكثروا واملأوا الأرض» (تك ٩: ١). وفي آخر الإصحاح التاسع رأينا ثلاثة أبناء لنوح: سام وحام ويافث، ومنهم، كما قيل في نهايته، «تفرّقت الأمم».
اليوم نفتح الكتاب لنرى كيف تفرّقت هذه الأمم، ولماذا. ونسأل سؤالاً واحداً يمرّ في الإصحاحين كلاهما: من الذي يصنع الاسم؟ الله أم الإنسان؟
٣. مقدمة: ثلاث صور وسؤال واحد
الإصحاحان العاشر والحادي عشر من سفر التكوين يبدوان في الظاهر قائمة أسماء طويلة ثم قصة قصيرة عن برج. ولكن إن تأملناهما معاً رأينا ثلاث صور متتابعة:
الكتاب يضع بجانب بعضهما بناءً يرتفع من الأرض إلى السماء، ودعوةً تنزل من السماء إلى الأرض. وهذا هو خيط الجلسة كلها. وسنرى في النهاية أن المسيح هو الذي «نزل من السماء» (يو ٣: ١٣) ليعطي البشرية الاسم الذي عجزت أن تصنعه لنفسها.
وقبل أن نبدأ ملاحظة صغيرة: الإصحاح العاشر يذكر في آياته الأخيرة أن الأمم تفرّقت «كل إنسان كلسانه» (تك ١٠: ٥، ٢٠، ٣١)، بينما الإصحاح الحادي عشر يبدأ بالقول: «وكانت الأرض كلها لساناً واحداً ولغة واحدة» (تك ١١: ١). فيبدو أن الإصحاح الحادي عشر يعود بنا إلى الوراء ليشرح لنا كيف انتشرت الأمم بعد أن عرضها الإصحاح العاشر. هذه ملاحظة على ترتيب النص وليست تعليماً عقائدياً، ويفيد أن نعرفها حتى لا نتحير: سفر التكوين يرتب القصص بحسب المعنى، لا بحسب التقويم فقط. ويقول القمص أنطونيوس فكري المعنى نفسه: الإصحاح العاشر يأتي تاريخياً بعد الحادي عشر، لكن الوحي بدأ بعرض كيف انتشر نوح وأبناؤه في الأرض كلها، ثم جاء الحادي عشر ليشرح السبب وهو بلبلة الألسنة (ص ٢٢٠ بحسب ترقيم الملف، بحسب مضمون المصدر).
٤. أولاً: جدول الأمم (تك ١٠)
(أ) لماذا يوجد هذا الإصحاح في الكتاب المقدس؟
كثيرون يمرّون على الإصحاح العاشر بسرعة لأنه أسماء. حتى القديس يوحنا ذهبي الفم، كما يلاحظ مترجم عظاته، لم يقف عند جدول الأمم وقفته عند برج بابل، بل مرّ عليه سريعاً. ولكن لهذا الإصحاح رسالة لاهوتية هامة:
(ب) ثلاثة فروع وثلاث وجهات
الإصحاح يعرض نسل نوح بترتيب: يافث (تك ١٠: ١-٥)، ثم حام (تك ١٠: ٦-٢٠)، ثم سام (تك ١٠: ٢١-٣١). ونلاحظ أن الكاتب أخّر سام إلى النهاية لأنه الخط الذي سيتبعه، كما يفعل في سفر التكوين دائماً: يعرض الفروع الجانبية أولاً ثم يعود إلى الخط المختار.
(ج) مصر في الجدول، ونحن في الجدول
نتوقف عند اسم «مصرايم» (تك ١٠: ٦، ١٣). هذا هو الاسم العبري الذي نقلته العربية «مصر». وجاء في المزامير أن مصر تدعى «أرض حام» (مز ٧٨: ٥١؛ ١٠٥: ٢٣، ٢٧؛ ١٠٦: ٢٢)، كما يشير القمص تادرس ملطي (ص ١١٠). ويذكر مفسرو كنيسة مارمرقس أن أبناء مصرايم سكنوا الدلتا ومنف والصعيد (تفسير كنيسة مارمرقس، تك ١٠: ١٣-١٤، ص ٩١).
لماذا نقف عند هذا؟ لأن أمة من هؤلاء الأمم ستكون لها حكاية خاصة مع الله. قال إشعياء النبي في نبوة عن مصر: «في ذلك اليوم تكون سكة من مصر إلى أشور... بها يبارك رب الجنود قائلاً: مبارك شعبي مصر، وعمل يدي أشور، وميراثي إسرائيل» (إش ١٩: ٢٣-٢٥). ويقول المزمور: «يأتي شرفاء من مصر. كوش تسرع بيديها إلى الله» (مز ٦٨: ٣١). ويقول لنا سفر الأعمال إن بين الذين سمعوا الرسل يوم الخمسين أناساً من «مصر» (أع ٢: ١٠).
ويلفت القمص تادرس ملطي النظر إلى أن بعض أبناء حام كانت لهم في العهد القديم صفة شعوب مقاومة لله، لكن النبوات «لم تترك هذه الشعوب بلا رجاء». وقال: «هكذا الأمم التي كانت تحت اللعنة بسبب وثنيتها ورجاساتها صارت العروس المقدسة التي تتهيأ للحياة الأبدية في حضن الآب السماوي» (ص ١١١). ونحن، كنيسة مصر، نعيش هذا الرجاء: اسمنا في الجدول، واسمنا في وعد إشعياء.
(د) نمرود: بداية بابل
وسط الجدول تتوقف القائمة فجأة عند اسم واحد: «وكوش ولد نمرود الذي ابتدأ يكون جباراً في الأرض، الذي كان جبار صيد أمام الرب... وكان ابتداء مملكته بابل وأرك وأكد وكلنة في أرض شنعار» (تك ١٠: ٨-١٠).
لاحظوا أن الكتاب يخبرنا أن بابل كانت أول مدينة في مملكته. فنحن نعرف مسبقاً، قبل أن نقرأ الإصحاح الحادي عشر، من أين سيأتي مشروع البرج. ويرى القديس أغسطينوس، كما ينقل القمص تادرس ملطي، أن نمرود هو الذي قاد هذا العمل وأسس مدينة بابل (ص ١١٧).
ومعنى اسم «نمرود»، بحسب القمص تادرس ملطي، «جبار» أو «متمرد»، وقوله «جبار صيد أمام الرب» يحتمل فهمين: «أمام» الرب، أي بمعرفته، أو «ضد» الرب. وقد فهمه القديس أغسطينوس على أن نمرود وشعبه أقاموا البرج «ضد الرب، معبرين عن كبريائهم الشرير» (مدينة الله، الكتاب ١٦، كما ينقله ملطي، ص ١١٧). ومهما كان معنى الكلمة بالضبط، فالنص لا يمجد نمرود، بل يضعه أمامنا كنموذج للقوة الإنسانية التي تبني لنفسها اسماً.
وللآباء في معنى «أمام الرب» اتجاهان نعرضهما معاً، فلا نحسم بينهما أمام الجميع:
ويقدم القديس أفرام السرياني صورة ثالثة، فهو يرى أن نمرود قاتل الشعوب ليخرجوا إلى المناطق التي عيّنها الله لهم، وأنه هو الذي بددهم واستولى على بابل وصار أول من حكمها (تفسير سفر التكوين ٨: ١: ٢ و٨: ٣: ٢، بحسب مضمون المصدر).
(هـ) «في أيامه قسمت الأرض»
وفي وسط سلسلة نسل سام جملة قصيرة: «ولعابر ولد ابنان: اسم الواحد فالج لأن في أيامه قسمت الأرض. واسم أخيه يقطان» (تك ١٠: ٢٥). كلمة «فالج» تعني «انقسام». ويفسر القديس أغسطينوس، كما ينقل القمص تادرس ملطي، أن هذا القسمة هي تعدد اللغات، ففي أيام فالج بدأ ظهور أكثر من لغة (مدينة الله ١٦: ١٠-١١، ص ١١٤، ١١٩). ويلفت القديس يوحنا ذهبي الفم نظرنا إلى أن الكتاب أعطى الطفل اسماً يشير إلى حدث قريب، كأنه ينبّهنا قبل أن يقع (العظة ٣٠، الفقرة ٤، بحسب مضمون المصدر).
وهذه الجملة تعدّنا لما سنقرأه في الإصحاح التالي.
ويذكر القمص أنطونيوس فكري تفسيرين لاسم «فالج»: انقسام مجاري المياه ومراعي الأرض بين فالج ويقطان، أو انقسام الناس بسبب تعدد اللغات، ويذكر أن القديس أغسطينوس أخذ بالتفسير الثاني (ص ٢١٨-٢١٩، بحسب مضمون المصدر). ويضيف القديس بيدا المكرّم، من آباء الغرب، أن عابر سمّى ابنه «فالج» تذكاراً دائماً لأنه حفظ بإيمانه اللغة الأولى حين انقسمت ألسنة غير المؤمنين بسبب كبريائهم (تفسير سفر التكوين ١٠: ٢٥، بحسب مضمون المصدر). وهذا رأي لبعض الآباء، لا تعليم نبني عليه.
٥. ثانياً: برج بابل (تك ١١: ١-٩)
(أ) «لساناً واحداً ولغة واحدة»: وحدة جميلة
يبدأ النص بوحدة. الأرض كلها كانت تتكلم لغة واحدة. وهذه في ذاتها ليست خطية، بل نعمة. وكان ذهبي الفم يلاحظ أن المشكلة لم تكن في اللغة الواحدة، بل في أنهم أساؤوا استخدامها، فصارت خطتهم الباطلة سبب متاعبهم (العظة ٣٠، الفقرة ٦، بحسب مضمون المصدر).
ويقدم القمص تادرس ملطي تأملاً عميقاً حول معنى اللغة الواحدة. يقول إن الإنسان الأول كان ينطق بلغة الحب التي لا تعرف الانقسام، ولما سقط «فقد الإنسان اللسان الواحد واللغة الداخلية الواحدة حتى وإن بقيت البشرية زماناً تنطق بلسانها المادي لغة واحدة». ثم يضيف جملة تستحق أن نتذكرها: «ما حدث من بلبلة للألسنة إنما جاء ليفضح البلبلة الداخلية» (ص ١١٦). أي أن بلبلة الألسنة لم تصنع الانقسام، بل كشفت انقساماً كان قد بدأ في القلب. من لا يسمع صوت الله لا يسمع بعد قليل أخاه.
(ب) «ارتحالهم شرقاً»
«وحدث في ارتحالهم شرقاً». ملاحظة صغيرة على النص: كلمة «شرقاً» تتكرر في قصص السفر. فبعد السقوط «أقام شرقي جنة عدن الكروبيم» (تك ٣: ٢٤)، وبعد قتل هابيل «خرج قايين من لدن الرب وسكن في أرض نود شرقي عدن» (تك ٤: ١٦)، وهنا ارتحال إلى الشرق مرة أخرى. ولا نبني على هذا عقيدة، لكننا نلاحظ أن الكتاب يستخدم هذا الاتجاه ليذكرنا بالابتعاد عن موضع حضور الله. وقد سبق أن الفلك استقر على جبال أراراط (تك ٨: ٤)، وهؤلاء نزلوا إلى سهل شنعار بين دجلة والفرات، كما يشرح القمص تادرس ملطي (ص ١١٦).
(ج) بدائل صنعها الإنسان: لبن بدل الحجر، وحمر بدل الطين
«فكان لهم اللبن مكان الحجر، وكان لهم الحمر مكان الطين». كانوا في سهل ليس فيه حجر، فاخترعوا الطوب المشوي، واستخدموا «الحمر» وهو القار الطبيعي الذي يكثر في منطقة الفرات ليلصق الطوب، كما يشرح مفسرو كنيسة مارمرقس (ص ٩٦-٩٧). ولا عيب في هذا الابتكار. الله هو الذي وهب الإنسان هذا العقل. ولكن الاكتشاف الذي كان يمكن أن يكون شكراً صار فخراً. يقول مفسرو كنيسة مارمرقس إنهم «اكتشفوا بعقولهم التي وهبهم الله إياها وسائل لصنع أبنية قوية بالطوب الأحمر والحمر، اتكلوا على قوتهم ليقيموا مملكة وبناءً عالياً هو البرج حتى أنه لو فكر الله في عمل طوفان يصعدوا إلى البرج ولا يخيفهم غضب الله» (ص ٩٧).
وهذا يردنا إلى قول المزمور: «إن لم يبنِ الرب البيت فباطلاً يتعب البناؤون» (مز ١٢٧: ١). وقد استشهد به ذهبي الفم وهو يشرح هذا الموضع (العظة ٣٠، الفقرة ٦).
ويصف القديس إيريناوس الحادثة بإيجاز: ساروا من الشرق ووجدوا أرض شنعار الواسعة، فشرعوا في بناء برج بطوب مشوي وقار، طالبين أن يصعدوا به إلى السماء وأن يتركوا عملهم تذكاراً لمن يأتي بعدهم، وكانت جرأتهم تتقدم لأنهم كانوا على فكر واحد ولسان واحد، فقسّم الله ألسنتهم لئلا يتقدم العمل (البرهان على الكرازة الرسولية، بحسب مضمون المصدر). ويضيف القمص أنطونيوس فكري أن الحمر هو القار، وأنه كان في تلك الأرض بديلاً للطين، وأن بناة بابل بنوا مدينة محصنة أرضية بينما كان أبرام يعيش في خيمة ويبني مذبحاً (ص ٢٢١، ٢٢٠، بحسب مضمون المصدر).
(د) أربع عبارات: «لأنفسنا... لأنفسنا»
لنقرأ آية ٤ ببطء، ونعدّ ما يريدونه:
وعبارة واحدة تكررت مرتين في الآية: «لأنفسنا». وقد لاحظ ذهبي الفم ذلك: فهم يبنون لأنفسهم لا لله (العظة ٣٠، الفقرة ٦، بحسب مضمون المصدر). ويرى في قولهم «نصنع لأنفسنا اسماً» جذر شرهم، فمعناه عنده أن يكون لهم ذكر دائم لا يُنسى (بحسب مضمون المصدر).
وهناك ملاحظة لغوية لطيفة في النص: قالوا مرتين «هلم»: «هلم نصنع لبناً» (آية ٣)، «هلم نبن لأنفسنا» (آية ٤). وسنرى أن الله سيجيبهم بالكلمة نفسها: «هلم ننزل» (آية ٧). كأن الله يرد على «هلم» الإنسان الصاعدة بـ«هلم» الإلهية النازلة.
(هـ) ما هي الخطية بالضبط؟
قد نسأل: هل الخطأ في أن يبنوا مدينة؟ أو برجاً عالياً؟ يجيب القمص تادرس ملطي إجابة دقيقة: «لم يكن الشر في إقامة المدينة ذاتها أو الرغبة في بناء برج شاهق، وإنما غاية هذا العمل هو: نصنع لأنفسنا اسماً لئلا نتبدد على وجه كل الأرض». ويفسر ذلك بأنهم «لم يثقوا في ميثاق الله مع أبيهم نوح وحسبوا الله غير أمين في مواعيده» (ص ١١٦-١١٧). تذكروا أن الله قال لنوح: «لا يكون أيضاً طوفان» (تك ٩: ١١). لكنهم أرادوا ضماناً بأيديهم، وقالوا في قلوبهم: لو جاء طوفان آخر لنا برجنا. فهم يبنون مدينة أرضية «تحميهم من غضب الله» ويرفضون المدينة السماوية، كما يقول (ص ١١٧).
وهناك خطية أخرى واضحة: الأمر الإلهي «املأوا الأرض» (تك ٩: ١) قابله قولهم: «لئلا نتبدد على وجه كل الأرض». أي أنهم يريدون عكس ما أوصاهم به الله بالضبط.
ويلخص مفسرو كنيسة مارمرقس الجذر الروحي كله بقولهم: «الكبرياء هو الخطية الأولى للإنسان وسبب سقوط الشيطان، ومازال الشيطان يحارب البشرية ليس فقط أيام برج بابل بل حتى الآن بالكبرياء» (تفسير كنيسة مارمرقس، تك ١١: ٩، ص ٩٨). وتذكّرنا الحية في الجنة بالكلمات نفسها تقريباً: «تكونان كالله» (تك ٣: ٥). آدم أراد أن يصير كالله بالأكل، وبنو آدم هنا يريدون أن يصلوا إلى الله بالبناء. والاثنان يعتمدان على الذات.
(و) «فنزل الرب لينظر»
لاحظوا المفارقة: بنوا برجاً «رأسه بالسماء»، ومع ذلك يحتاج الرب أن «ينزل» لكي يراه! كأن الكتاب يبتسم بهدوء: ما يبدو للإنسان ناطحة للسماء، هو أمام الله شيء صغير على الأرض. (وهذا تأمل ننبّه أنه تأمل وليس تفسيراً قاطعاً.)
ولكن كيف نفهم «نزل الرب»؟ يوضح مفسرو كنيسة مارمرقس أن هذا «إعلان أنه يراقب كل أعمالنا، وليس معناه أنه تحرك من مكان إلى مكان لأنه مالئ كل مكان» (تك ١١: ٥، ص ٩٧). ويقول القديس أغسطينوس، بحسب ما ينقله القمص تادرس ملطي، إن الله لا يتحرك من مكان إلى مكان ولا يتعلم شيئاً جديداً، لكنه يُقال إنه «ينزل» حين يفعل شيئاً غير عادي على الأرض فتصير حضرته ملموسة، وإنه من محبته يتحدث إلينا بلغتنا البشرية لكي نفهم تدابيره (مدينة الله ١٦: ٥، ص ١١٨).
وللقديس يوحنا ذهبي الفم في هذه الآية درس عملي. يرى أن الكتاب يستخدم عبارة بشرية: «نزل ليرى»، ليعلمنا ألا ندين أخانا بلا دليل أو بالسماع فقط؛ فإن الله نفسه، العليم بكل شيء، يصوّر نفسه كمن ينزل ويتحقق قبل أن يحكم (العظة ٣٠، الفقرة ١٠، بحسب مضمون المصدر). ويلاحظ كذلك أن الله لم يوقف مشروعهم في أوله، بل صبر عليهم حتى اكتمل، لئلا يقول أحد إنهم لم يفعلوا بعد، ثم أظهر لهم بطلان ما صنعوا. وهذه، في رأيه، علامة طول أناة الله ومحبته.
ويعدد القمص أنطونيوس فكري معاني «نزل»: تنازل الله ليرى عملهم المتدني، واهتمامه بتفاصيل حياة البشر حتى عصيانهم، ثم أن الرب بعد ذلك نزل وتجسد ليخلص الإنسان ويرفع مستواه، وأن العبارة تعني أنه سيفعل شيئاً غير عادي ليكون حضوره ملموساً (ص ٢٢٢، بحسب مضمون المصدر). وهذا الخيط يقودنا إلى القسم الثالث من الجلسة.
(ز) «هلم ننزل»
قبل أن نتكلم عن العقاب، نتوقف عند صيغة الكلام: «هلم ننزل». الله يتكلم بصيغة الجمع. وقد سمعنا هذا الأسلوب قبل ذلك مرتين: عند خلق الإنسان: «نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا» (تك ١: ٢٦)، وبعد السقوط: «هوذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر» (تك ٣: ٢٢).
كيف تقرأ الكنيسة هذه الصيغة؟ يقول مفسرو كنيسة مارمرقس: إنها «تعلن الثالوث القدوس لأن كلامه بصيغة الجمع، وترمز لتنازل المسيح بتجسده ليرفع خطية الإنسان وكبرياءه عنه بالفداء» (ص ٩٨). فنحن لا نرى في الآية الله وحده، بل نرى الآب والابن والروح القدس يتشاورون بالمحبة. وسنرى بعد قليل كيف نزل الابن فعلاً.
وللأمانة العلمية نذكر أن للآباء في هذه العبارة أكثر من تعليق. فالقديس يوحنا ذهبي الفم يركّز على لغة التنازل: إن الله يتكلم بأسلوب بشري كأنه يخاطب من هو في مقامه، لكي يعلّمنا طول أناته، لا لأنه يحتاج إلى معين (العظة ٣٠، الفقرة ١٢، بحسب مضمون المصدر). والقديس أغسطينوس يرى أن النزول قد يتم بواسطة الملائكة الذين يعملون مع الله (بحسب نقل القمص تادرس ملطي، ص ١١٨). ولا تعارض بين هذه الأقوال: كلها تؤكد أن الله يتواضع ليتكلم معنا، وأن الكنيسة ترى في الصيغة بشارة مبكرة بالثالوث.
(ح) البلبلة: عقوبة أم رحمة؟
كلمة «بدّدهم» هي بالضبط ما خافوا منه: «لئلا نتبدد». فعلوا ما فعلوا لكي لا يتبددوا، فتبددوا. هذا هو منطق الكتاب: ما نبنيه لننقذ أنفسنا بعيداً عن الله هو ما يوقعنا فيما خفنا منه.
ولكن هل كان هذا عقاباً فقط؟ يقدم لنا الآباء صورة رحيمة:
وبهذه المناسبة نتذكر ما قالته السيدة العذراء في تسبحتها: «شتّت المستكبرين بفكر قلوبهم. أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين» (لو ١: ٥١-٥٢). وبابل من أقدم الأمثلة على هذه الكلمات.
(ط) اسم المدينة: «باب الله» أم «بلبلة»؟
يقول مفسرو كنيسة مارمرقس إن «بابل» معناها «باب الله»، وإن الله دعاها بهذا الاسم لأن فيها حدثت بلبلة الألسنة (ص ٩٠). ويذكر القمص تادرس ملطي أن «بابل» تعني «باب الله» (باب إيلو) (ص ١١٢)، ويضيف أن القديس أغسطينوس يذكر أنها تعني أيضاً «بلبلة وارتباك» (ص ١١٧). فالاسم نفسه يحمل المعنيين: ما أرادوه «باباً» صار «بلبلة».
فالذين أرادوا أن يبنوا «باباً» إلى السماء ورثوا «بلبلة». لكن الله لم يترك الإنسان بلا باب. وبعد فصول قليلة، في عائلة أبرام، سيرى يعقوب حلماً: «سلّم منصوبة على الأرض ورأسها يمس السماء، وهوذا ملائكة الله صاعدة ونازلة عليها»، فيقول عند الاستيقاظ: «ما أرهب هذا المكان! ما هذا إلا بيت الله، وهذا باب السماء» (تك ٢٨: ١٢، ١٧). لاحظوا الفرق: في بابل الإنسان يبني سلّماً ليصعد، وفي بيت إيل الله ينصب السلّم، وهو الذي يبدأ. وقال السيد المسيح لنثنائيل: «من الآن ترون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان» (يو ١: ٥١). فالمسيح هو الباب الحقيقي إلى السماء. (هذا ربط تأملي بين نصوص الكتاب نفسه، لا ننسبه إلى أب بعينه.)
(ي) بابل في بقية الكتاب
بابل لا تنتهي هنا، بل تصير رمزاً في الكتاب كله:
وبالمقابل، فإن «المدينة التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها الله» (عب ١١: ١٠) هي ما انتظره أبرام. هذا هو التضاد الكبير في الكتاب كله: مدينة يبنيها الإنسان لنفسه ومدينة يبنيها الله لنا. وقد قال القديس أغسطينوس، بحسب نقل القمص تادرس ملطي (ص ١١٩)، إن الكتاب بعد أن عرض المدينة الأرضية، أي بابل أو «البلبلة»، عاد إلى سام ليتتبع الأجيال حتى إبراهيم من أجل «مدينة الله».
٦. ثالثاً: من بابل إلى العنصرة: المسيح يكمل القصة
(أ) المسيح هو الذي نزل
في بابل قال الله: «هلم ننزل» ليبلبل. وفي ملء الزمان نزل الابن نفسه ليجمع. «وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء» (يو ٣: ١٣). «والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا» (يو ١: ١٤). الإنسان حاول أن يصعد بقدرته ففشل، والله نزل فنجح الخلاص. يقول القديس بولس: «فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من أجلكم افتقر وهو غني، لكي تستغنوا أنتم بفقره» (٢كو ٨: ٩). وقد رأينا أن مفسري كنيسة مارمرقس يقرؤون «هلم ننزل» إشارة إلى تنازل المسيح بتجسده ليرفع كبرياء الإنسان بالفداء.
(ب) المسيح يعطي الاسم الذي عجزنا أن نصنعه
أراد أهل بابل أن يصنعوا لأنفسهم اسماً. لكن الاسم الذي يخلّد الإنسان لا يصنعه الإنسان، بل يُعطى له. قال القديس بولس عن المسيح: «لذلك رفّعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة... ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب» (في ٢: ٩-١١). لاحظوا كلمة «كل لسان»: الألسنة التي تبلبلت في بابل ستعترف يوماً كلها بلسان واحد في المعنى: يسوع هو رب.
ونحن لا نصنع لأنفسنا اسماً بل ندعى باسمه: «توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا» (أع ٢: ٣٨). وكلمة الكتاب الجميلة في سفر الأمثال: «اسم الرب برج حصين، يركض إليه الصديق ويتمنع» (أم ١٨: ١٠). أرادوا برجاً من لبن وحمر، وهذا هو البرج الحقيقي: اسم الرب.
(ج) الروح القدس يجمع في يوم الخمسين
ما حدث في بابل انعكس يوم الخمسين. انظروا إلى التشابهات في النص نفسه:
وهنا يقول القديس أغسطينوس في عبارة مشهورة، ينقلها القمص تادرس ملطي: «خلال المتكبرين انقسمت الألسنة، وخلال الرسل المتواضعين اتحدت الألسنة» (ص ١١٨). لقد دخل الروح القدس على التلاميذ البسطاء الجليليين، لأن الاتضاع هو باب الوحدة، كما أن الكبرياء باب الانقسام.
ويقول القديس بيدا المكرّم، من آباء الغرب، إن المدينة التي انقسمت فيها الألسنة وتشتتت الأمم تُدعى بابل أي البلبلة، أما التي اتحدت فيها الألسنة بنعمة الروح القدس ففي أورشليم أي «رؤية السلام»، وإن اختلاف الألسنة اجتمع هناك بفضل الاتضاع على اعتراف واحد وإيمان واحد (تفسير سفر التكوين ١١: ١، بحسب مضمون المصدر). ويقول القمص أنطونيوس فكري إن الروح القدس روح المحبة قادر أن يضع فينا لغة مشتركة نتفاهم بها، هي لغة الحب والشكر والتسبيح، وإن بلبلة الألسنة حدثت لتفضح البلبلة الداخلية (ص ٢٢٠-٢٢١، بحسب مضمون المصدر).
(د) وحدة تحترم التنوع
ماذا حدث يوم الخمسين؟ لم يُلغَ التنوع ويعد الجميع إلى لغة واحدة. بل سمع كل واحد بلغته. هذه هي وحدة الكنيسة: ليست وحدة آلة تصنع الجميع نسخة واحدة، بل وحدة جسد فيه أعضاء كثيرة: «لأننا جميعنا بروح واحد أيضاً اعتمدنا إلى جسد واحد، يهوداً كنا أم يونانيين، عبيداً أم أحراراً» (١كو ١٢: ١٣). وهذا ما نراه في كنيستنا: نصلي بالقبطية والعربية وبلغات أخرى في كنائسنا حول العالم، والروح واحد. وقال القديس بولس: «لأنه لا فرق بين اليهودي واليوناني، لأن رباً واحداً للجميع» (رو ١٠: ١٢).
ونهاية القصة ليست في أورشليم بل في السماء: «بعد هذا نظرت وإذا جمع كثير لم يستطع أحد أن يعدّه، من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة، واقفون أمام العرش وأمام الخروف» (رؤ ٧: ٩). الألسنة التي انقسمت في بابل ستقف معاً أمام العرش. وكان السيد المسيح قد وعد: «وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليّ الجميع» (يو ١٢: ٣٢). وصلّى: «ليكون الجميع واحداً... ليؤمن العالم أنك أرسلتني» (يو ١٧: ٢١). وقال النبي صفنيا: «حينئذ أحوّل الشعوب إلى شفة نقية، ليدعوا كلهم باسم الرب، ليعبدوه بكتف واحدة» (صف ٣: ٩). فالمسيح هو الذي «جعل الاثنين واحداً، ونقض حائط السياج المتوسط» (أف ٢: ١٤).
٧. رابعاً: مواليد سام وتارح: من البرج إلى الخيمة (تك ١١: ١٠-٣٢)
(أ) لماذا تعود القائمة بعد البرج؟
بعد قصة بابل مباشرة يعود الكتاب إلى قائمة أسماء. وكأنه يقول لنا: انتهت قصة المدينة التي صنعها الإنسان، فلنتبع الخط الذي يصنعه الله. يشرح القديس أغسطينوس، بحسب ما ينقل القمص تادرس ملطي (ص ١١٩): كما جاء من نسل حام من يقيم بابل، رمز المدينة الأرضية، جاء من نسل سام من يقيم مدينة الله، وكان لا بد من حفظ سلسلة الأجيال من سام لأجل الكشف عن «مدينة الله» بعد الطوفان.
ويقول مفسرو كنيسة مارمرقس: «يهتم هنا بذكر نسل سام بالتفصيل لأن منه سيخرج إبرام أب شعب الله الذي يهتم بمدينة الله السماوية بدلاً من نسل حام أي نمرود الذي اهتم بالمدينة الأرضية بابل، فإبرام يتميز بطاعة الله أما نمرود فيتميز بالكبرياء مثل باقي الأشرار» (ص ٩٩). فالقصتان متقابلتان: نمرود يبني مدينة باسمه، وأبرام يخرج إلى مدينة بناها الله.
ويضع القمص أنطونيوس فكري الموضوعين متقابلين في جدول: الأول سعي الإنسان للهروب من الله (بابل التي تبني برجاً)، والثاني دعوة الله للإنسان (أبرام الذي يترك أرضه ويسكن الخيام) (ص ٢٢٠، بحسب مضمون المصدر). ويرى القديس إيريناوس أن البشر الذين سكنوا الأرض ثلاثة أجناس، وأن البركة أتت أولاً إلى سام الذي سكن نسله في الشرق وامتلك أرض الكلدانيين (البرهان على الكرازة الرسولية، بحسب مضمون المصدر).
(ب) نظرة في الأرقام
لننظر في أعمار هؤلاء الآباء الذين ورد ذكرهم، ونحسبها من النص نفسه (وهذه ملاحظة حسابية بسيطة):
نلاحظ أن الأعمار تنخفض بوجه عام: من ستمئة سنة عند سام إلى مئة وثمان وأربعين عند ناحور، ثم مئتين وخمس عند تارح. وكل واحد منهم يُذكر بجملة واحدة تتكرر: «وولد بنين وبنات». لا إنجازات ولا ذكر لأعمال عظيمة. هؤلاء الآباء لم يبنوا برجاً ولم يصنعوا لأنفسهم اسماً، ومع ذلك فأسماؤهم محفوظة في الكتاب المقدس حتى اليوم، وحتى في نسب المسيح في إنجيل لوقا. يا لها من مفارقة! الذين أرادوا أن يصنعوا اسماً لم يُذكر لهم اسم، والذين عاشوا في هدوء حفظ الله أسماءهم.
وهناك ملاحظة لغوية نقدمها بحذر وبلا مبالغة: كلمة «اسم» في العبرية هي «شِم»، وهي نفسها صورة اسم «سام». فالذين قالوا «نصنع لأنفسنا اسماً» لم يبقَ لهم اسم، والخط الذي يحمل اسم «اسم» هو الذي أعطاه الله اسماً حقيقياً. (ملاحظة لغوية للإحاطة، لا تقوم عليها عقيدة.)
(ج) عائلة تارح: خيمة من قلب الخراب
بعد قائمة الأجيال يتغير النص إلى قصة: «وهذه مواليد تارح: ولد تارح أبرام وناحور وهاران. وولد هاران لوطاً. ومات هاران قبل تارح أبيه في أرض ميلاده في أور الكلدانيين» (تك ١١: ٢٧-٢٨). وفي آية ٣٠ جملة قصيرة تحمل ثقلاً كبيراً: «وكانت ساراي عاقراً ليس لها ولد».
تأملوا الصورة: أبرام ينتمي إلى عائلة وثنية، كما يقول يشوع: «آباؤكم سكنوا في عبر النهر منذ الدهر، تارح أبو إبراهيم وأبو ناحور، وعبدوا آلهة أخرى. فأخذت إبراهيم أباكم من عبر النهر» (يش ٢٤: ٢-٣). ويذكر القمص تادرس ملطي هذه الآية، ويقول إن أسرة إبراهيم كانت تعبد آلهة غريبة في أور الكلدانيين (ص ١١٩). وزوجته عاقر. وأخوه مات. هذه ليست بداية تصلح لمشروع عظيم. وفي المقابل كان أهل بابل في قمة قوتهم وحماسهم وتنظيمهم. لكن الله، كما قال القديس بولس في موضع آخر، «واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود» (١كو ١: ٢٨). وكذلك كل ما رأيناه في الكتاب حتى الآن: الله يبدأ من الضعف.
وقد قال القديس استفانوس عن هذه اللحظة: «ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم وهو في ما بين النهرين، قبلما سكن في حاران، وقال له: اخرج من أرضك ومن عشيرتك» (أع ٧: ٢-٣). لاحظوا: «ظهر إله المجد». المبادرة من الله. أهل بابل ارتفعوا، وإبراهيم لم يرتفع؛ الله هو الذي ظهر له. وهذا الفرق بين «الصعود الذي يصنعه الإنسان» و«الظهور الذي يمنحه الله».
(د) توقف في منتصف الطريق
وفي الآية الأخيرة من الإصحاح: «وأخذ تارح أبرام ابنه، ولوطاً بن هاران ابن ابنه، وساراي كنته امرأة أبرام ابنه، فخرجوا معاً من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان. فأتوا إلى حاران وأقاموا هناك... وكانت أيام تارح مئتين وخمس سنين. ومات تارح في حاران» (تك ١١: ٣١-٣٢).
خرجوا ليذهبوا إلى كنعان، لكنهم وصلوا إلى حاران وأقاموا هناك. توقفوا في منتصف الطريق. وكم من مرة نتوقف نحن أيضاً! نبدأ الطريق مع الله ثم نجد «حاران» مريحة فنقيم فيها. ولن يكمل أبرام الطريق إلا بعد أن يسمع النداء مرة أخرى في الإصحاح التالي، وكان عمره حين خرج من حاران خمساً وسبعين سنة (تك ١٢: ٤). وسنتوقف في جلستنا القادمة عند هذه الدعوة.
وهكذا ينتهي الإصحاح الحادي عشر وفي الأفق وعد لم يُقَل بعد: «اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك. فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك، وتكون بركة. وأبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض» (تك ١٢: ١-٣). انظروا كيف يرد الله على بابل: هم قالوا «نصنع لأنفسنا اسماً»، والله قال: «أعظّم اسمك». هم قالوا «لئلا نتبدد»، والله قال: «تتبارك فيك جميع قبائل الأرض». الله يعطي ما حاول الإنسان أن ينتزعه.
٨. ماذا يقول لنا برج بابل اليوم؟
لا نريد أن نبقى مع بابل كقصة قديمة. فكلنا نبني أبراجاً صغيرة. وهنا ثلاثة أسئلة:
(أ) أي «اسم» أصنعه لنفسي؟
يحدثنا ذهبي الفم بصراحة في هذا الموضع. يقول إن كثيرين اليوم يقلدون أهل بابل بما يبنونه من بيوت فخمة وحمامات وأروقة وطرق، يريدون أن يقال: «هذا بيت فلان»، وأن يبقى ذكرهم، ثم ينبّههم إلى أن الذي يبقى ليس اسم صاحب البيت بل اسم من أطعم المساكين. ثم يقول ما معناه: إن كنت تشتهي ذكراً لا ينقطع، فاعطِ مالك للفقراء، فهذا هو الذكر الذي لا يموت (العظة ٣٠، الفقرات ٧-٨، بحسب مضمون المصدر). ويستشهد بالمزمور: «فرّق أعطى المساكين. بره قائم إلى الأبد» (مز ١١٢: ٩). ويذكر مثالاً من الكتاب: الأرامل اللواتي أحطن ببطرس ويرين الأقمصة والثياب التي كانت طابيثا تعملها (أع ٩: ٣٦-٤١). فهذه، في رأيه، هي الأبنية الحية التي تبقى.
(ب) أين «أحتمي» من الله؟
أهل بابل بنوا برجاً ليحتموا من طوفان لم يعد الله به. وكلنا لنا «أبراجنا»: رصيد في البنك، علاقات نافعة، شهادات، صحة، تأمينات. وليس الشر في أن ندّخر أو نتعلم أو نخطط، فالله هو الذي وهبنا العقل. ولكن السؤال هو: هل أثق بأن «الرب هو الذي يبني البيت» (مز ١٢٧: ١)؟ يقول السيد المسيح: «اكنزوا لكم كنوزاً في السماء» (مت ٦: ٢٠). وأبرام «كان ينتظر المدينة التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها الله» (عب ١١: ١٠).
(ج) هل وحدتنا وحدة روح أم وحدة مشروع؟
أهل بابل كانوا متحدين جداً، ولكن حول مشروع للكبرياء. والوحدة التي يعطيها الروح القدس تختلف: هي وحدة تحترم اللغات والأمزجة والأعمار، وتجمعها المحبة وإنكار الذات. قال المرتل: «هوذا ما أحسن وما أجمل أن يسكن الإخوة معاً!» (مز ١٣٣: ١). وقد رأينا قول القديس أغسطينوس إن الألسنة انقسمت بالمتكبرين واتحدت بالرسل المتواضعين.
٩. مناقشة جماعية
١٠. الخلاصة
رأينا أن الله بارك نوحاً وبنيه، فتكاثروا وانتشروا وصار لهم أمم كثيرة، ومن بينهم نحن. ورأينا أن الإنسان، بدل أن يشكر، أراد أن يبني لنفسه «مدينة وبرجاً واسماً» ضماناً من الله، فكشف الله بلبلة قلبه ببلبلة لسانه، وبدّدهم رحمةً لا انتقاماً. ثم رأينا أن الله نزل، في المسيح، ليعطي اسماً فوق كل اسم، وأن الروح القدس جمع في الخمسين ما فرّقته الكبرياء. وانتهينا بخيمة أبرام: رجل ضعيف في عائلة وثنية، دعاه الله ليعظم اسمه ويبارك به كل قبائل الأرض.
ونخرج بثلاثة أسئلة: أي اسم أصنع لنفسي؟ أين أحتمي؟ وحدتنا حول ماذا؟
١١. الواجب الأسبوعي
١٢. صلاة ختامية
أيها الرب الإله، يا من باركت البشرية كلها في نوح، ولم تتركها حين افتخرت بأبراجها؛ نشكرك على هذه الساعة التي جمعتنا فيها حول كلمتك.
يا من نزلت إلينا في ابنك الوحيد لتجمع المتفرقين، وأرسلت روحك القدوس فجمع الألسنة في يوم الخمسين، احفظنا من كبرياء القلب، وعلّمنا أن نبني بيوتنا وكنيستنا وحياتنا عليك أنت. يا من إن لم تبنِ البيت فباطلاً يتعب البناؤون، ابنِ فينا ما يثبت. ولا تدعنا نصنع لأنفسنا أسماء، بل أعطنا أن نحمل اسمك المبارك، «اسم الرب برج حصين».
يا من دعوت أبرام من عائلة وثنية وأعظمت اسمه، ادعنا نحن أيضاً أن نترك «حاران» التي توقفنا فيها، لكي نسير إلى المدينة التي صانعها وبارئها الله. احفظ كل من حضر وبيته وأسرته، وارحم المتفرقين، واجمعنا في الكنيسة الواحدة الجامعة، ولك المجد مع أبيك الصالح والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. بشفاعة والدة الإله القديسة العذراء مريم، وصلوات القديسين مار بطرس ومار أندراوس. آمين.
١٣. توزيع الوقت المقترحللخادم
المجموع نحو ٨٥ دقيقة، وهو يناسب اجتماعاً مدته ساعة ونصف الساعة (من ٦:٣٠ إلى ٨:٠٠) مع دقائق للترحيب والترنيمة والإعلانات.
١٤. حالة المصادر (للخادم)للخادم
ما رُوجع مباشرة على النص في مكتبة المشروع:
ما اعتُمد عليه كخلفية فقط (النصوص المرفقة):
نقاط لم تتأكد من مصدر ولذلك قُدِّمت بحذر أو كتأمل:
أُضيف بعد مراجعة الملفات الجديدة:
مصادر في المكتبة لم تُستخدم:
١٥. المراجع المستخدمة
الكتاب المقدس، سفر التكوين ١٠: ١ - ١١: ٣٢ (ترجمة فان دايك)، مع النصوص الأخرى المقتبسة.
تفسير سفر التكوين، القمص تادرس يعقوب ملطي، الإصحاحان ١٠ و١١ (ص ١٠٨-١١٩ بحسب ترقيم ملف PDF المستخدم).
تفسير سفر التكوين، كهنة وخدام كنيسة مارمرقس بمصر الجديدة، الإصحاحان ١٠ و١١ (ص ٩٠-٩٩).
St. John Chrysostom, Homilies on Genesis 18-45, trans. Robert C. Hill, Fathers of the Church 82: Homily 30 (§4-14), pp. 220-231.
St. Augustine, City of God, Book 16, chs. 3-5, 10-11 (as quoted by Fr. Tadros Y. Malaty); St. Augustine on Psalm 55 (as quoted by Fr. Tadros Y. Malaty); St. Jerome (as quoted by Fr. Tadros Y. Malaty).
نص «برج بابل» و«بختنصر» من موقع الأنبا تكلا (مرفق، خلفية فقط).
نص «حقيقة التثليث» (مرفق، خلفية فقط).
القمص أنطونيوس فكري، تفسير سفر التكوين (كنيسة السيدة العذراء، الفجالة، يوليو ٢٠١٦)، الإصحاحان ١٠ و١١، الصفحات المطبوعة ٢١٢-٢٢٤.
أقوال الآباء على تكوين ١٠ و١١ (HistoricalChristianFaith Commentaries Database، ترجمات إنجليزية): ذهبي الفم، العظات على التكوين ٢٩ و٣٠ و٣١؛ إيريناوس، البرهان على الكرازة الرسولية؛ أفرام السرياني، تفسير التكوين ٨؛ غريغوريوس النيصي، الرد على أونوميوس، الكتاب ٢، الفقرة ٢٧٦؛ أوسابيوس القيصري، الإعداد للإنجيل ٩: ١٤؛ كومودياني، أنشودة الشعبين؛ أوريجانوس، ضد كلسس ٤: ٢١؛ ومن آباء الغرب: أغسطينوس (مدينة الله ١٦)، جيروم (الأسئلة العبرية، العظة ٢١)، بيدا (تفسير التكوين).
































ما نراه في النص، وكيف يكتمل في المسيح.
للمناقشة والتأمل
- «ونصنع لأنفسنا اسماً»: في أي مواقف أجدني أريد أن «أصنع اسماً» لنفسي، في العمل أو الخدمة أو العائلة؟ وكيف أتحرر من هذه الرغبة؟
- يقول القمص تادرس ملطي إن الشر لم يكن في البناء بل في الغاية: «لئلا نتبدد». كيف أعرف إن كان ما أبنيه يُبنى لمجد الله أم لضمان نفسي؟
- الله لم يمحُ البشر بل أوقف المشروع بتغيير اللغة. أين رأيت رحمة الله في «إيقاف» لمشروع أردته ولم يتم؟
- في يوم الخمسين سمع كل واحد بلغته. كيف تعيش كنيستنا، المتعددة اللغات والأجيال، هذه الوحدة؟ وما الذي يهدّدها؟
- توقف تارح في «حاران» ولم يكمل. ما هي «حاران» في حياتي: مكان مريح توقفت فيه عن الاستجابة لدعوة الله؟
تطبيق الأسبوع
- الكتاب المقدس، سفر التكوين ١٠: ١ - ١١: ٣٢ (ترجمة فان دايك)، مع النصوص الأخرى المقتبسة.
- تفسير سفر التكوين، القمص تادرس يعقوب ملطي، الإصحاحان ١٠ و١١ (ص ١٠٨-١١٩ بحسب ترقيم ملف PDF المستخدم).
- تفسير سفر التكوين، كهنة وخدام كنيسة مارمرقس بمصر الجديدة، الإصحاحان ١٠ و١١ (ص ٩٠-٩٩).
- St. John Chrysostom, Homilies on Genesis 18-45, trans. Robert C. Hill, Fathers of the Church 82: Homily 30 (§4-14), pp. 220-231.
- St. Augustine, City of God, Book 16, chs. 3-5, 10-11 (as quoted by Fr. Tadros Y. Malaty); St. Augustine on Psalm 55 (as quoted by Fr. Tadros Y. Malaty); St. Jerome (as quoted by Fr. Tadros Y. Malaty).
- نص «برج بابل» و«بختنصر» من موقع الأنبا تكلا (مرفق، خلفية فقط).
- نص «حقيقة التثليث» (مرفق، خلفية فقط).
- القمص أنطونيوس فكري، تفسير سفر التكوين (كنيسة السيدة العذراء، الفجالة، يوليو ٢٠١٦)، الإصحاحان ١٠ و١١، الصفحات المطبوعة ٢١٢-٢٢٤.
- أقوال الآباء على تكوين ١٠ و١١ (HistoricalChristianFaith Commentaries Database، ترجمات إنجليزية): ذهبي الفم، العظات على التكوين ٢٩ و٣٠ و٣١؛ إيريناوس، البرهان على الكرازة الرسولية؛ أفرام السرياني، تفسير التكوين ٨؛ غريغوريوس النيصي، الرد على أونوميوس، الكتاب ٢، الفقرة ٢٧٦؛ أوسابيوس القيصري، الإعداد للإنجيل ٩: ١٤؛ كومودياني، أنشودة الشعبين؛ أوريجانوس، ضد كلسس ٤: ٢١؛ ومن آباء الغرب: أغسطينوس (مدينة الله ١٦)، جيروم (الأسئلة العبرية، العظة ٢١)، بيدا (تفسير التكوين).