«أين أنت؟ وأين أخوك؟»
خلق الله الإنسان تراباً ونسمة حياة: اتضاع وكرامة معاً. وأعطاه «نعم» كبيرة و«لا» واحدة، لأن الطاعة التي يريدها طاعة محبة لا طاعة آلية.
بدأت التجربة بتشويه صورة الله، ثم سمعت حواء، ونظرت، واشتهت، وأخذت، وأكلت. اختبأ الإنسان، لكن الله هو الذي بادر بالبحث: «أين أنت؟»، وأعلن وعد الخلاص قبل أن يعلن التأديب.
ثم انتقل الكسر من العلاقة مع الله إلى العلاقة مع الأخ: «أين هابيل أخوك؟». ووسط إيقاع «ومات… ومات» في الإصحاح الخامس، ينكسر الرتم بإنسان سار مع الله.
١. صلاة الافتتاح
أيها الرب الإله القدير، يا من جبلتَ الإنسان من تراب الأرض ونفختَ فيه نسمة حياة، ويا من غرستَ له جنة عدن ليحيا فيها في فرح وشركة معك؛ نأتي الآن أمامك بقلوب متضعة، طالبين أن تفتح عيون أذهاننا لنتأمل في كلمتك المقدسة ونفهم عمق محبتك التي لم تتوقف حتى حين سقط الإنسان.
يا من أتيتَ تطلب آدم الهارب قائلاً "أين أنت"، تعال الآن واطلبنا نحن أيضاً في خفايا قلوبنا، واكشف لنا كل موضع اختبأنا فيه عنك بالخطية. ويا من وعدتَ منذ الفردوس أن نسل المرأة يسحق رأس الحية، ثبّت رجاءنا في هذا الوعد الذي تمّ فيك يا ربنا يسوع المسيح.
بارك هذا الاجتماع، وبارك كل من حضر ليسمع كلمتك، واجعل هذه الساعة بداية بركة ونعمة لحياة جديدة معك، بشفاعة والدة الإله القديسة العذراء مريم، وصلوات القديسين مار بطرس ومار أندراوس. آمين.
٢. مراجعة سريعة: ماذا رأينا في الجلسة الماضية؟
في جلستنا الأولى وقفنا أمام الإصحاح الأول من سفر التكوين، وتأملنا كيف خلق الله السماوات والأرض بكلمته في ستة أيام، وكيف كانت ذروة هذا الخلق كله هي خلقة الإنسان على صورة الله ومثاله، ثم رأينا كيف استراح الله في اليوم السابع مباركاً إياه ومقدساً له.
ورأينا أيضاً أن "موسوعة الخادم القبطي" تقسّم سفر التكوين، الذي يشتمل على خمسين إصحاحاً، إلى أربعة أقسام رئيسية، وأن القسم الأول منها يمتد من تكوين ١: ١ إلى ٥: ٣٢، ويتضمن خلقة العالم، ثم خلقة الإنسان على صورة الله ومثاله، وكيفية التعدي (السقوط)، مع وعد الله السابق بالفداء، وقصة قتل قايين لأخيه هابيل، وسلسلة أبناء شيث حتى مولد نوح (بحسب مضمون المصدر).
واليوم، في جلستنا الثانية، نُكمل هذا القسم الأول كله: من نهاية الإصحاح الأول وحتى نهاية الإصحاح الخامس. فبعد أن رأينا "ماذا خلق الله" في الإصحاح الأول، نرى اليوم أربع لوحات متتالية: الإنسان في جنة عدن (إصحاح ٢)، ثم سقوط الإنسان ووعد الخلاص (إصحاح ٣)، ثم أول جريمة في التاريخ وقصة قايين وهابيل (إصحاح ٤)، وأخيراً سجل الأجيال من آدم إلى نوح (إصحاح ٥). أربعة إصحاحات، لكنها كلها فصل واحد متصل في قصة واحدة: قصة إنسان خُلق للفرح، فسقط، فوعده الله بالفداء، وسار التاريخ بعد ذلك بين نسل يحمل اسم الله ونسل ابتعد عنه، إلى أن يصل بنا السفر إلى نوح، الذي سيكون بطل الإصحاحات القادمة.
٣. مقدمة إلى اليوم: لماذا هذه الإصحاحات الأربعة معاً؟
يلاحظ الأب أنطونيوس فكري في مقدمته لشرح الإصحاح الثاني ملاحظة جوهرية تُنير لنا طريقنا اليوم كله: "الإصحاح الأول نجد فيه صلة الله بالكون عموماً. أما في الإصحاح الثاني فنجد فيه صلة الله المحب بالإنسان بصفة خاصة. هو إصحاح الروابط الحلوة" (تفسير سفر التكوين، ص ١٥٥). فإن كان الإصحاح الأول يُعلن لنا "من هو الله الخالق"، فإن الإصحاحات التي أمامنا اليوم تُعلن لنا "كيف يتعامل هذا الإله مع الإنسان الذي أحبه": كيف أعدّ له كل شيء، وكيف أعطاه وصية من محبة لا من تسلط، وكيف تعامل معه بصبر وحوار حتى بعد سقوطه، وكيف استمر في متابعة نسله جيلاً بعد جيل.
ونلاحظ أيضاً أن هذه الإصحاحات الأربعة، رغم اختلاف مادتها، تسير كلها على خيط واحد: مبادرة الله بالمحبة، ثم اختيار الإنسان الحر - إما بالطاعة أو بالعصيان - ثم نتيجة هذا الاختيار، وفي وسط كل هذا، محبة الله التي لا تتوقف حتى في وسط الدينونة. سنرى هذا الخيط يتكرر مع آدم، ثم مع قايين، ثم عبر سلسلة الأجيال إلى أخنوخ ونوح.
سنتناول اليوم كل إصحاح على حدة: نقرأه أولاً، ثم نشرحه، مع وقفات عند أهم آياته وأعمق رموزه.
٤. قراءة الإصحاح الثاني من سفر التكوين
لنستمع الآن بخشوع إلى كلمة الله كما وردت في الإصحاح الثاني، من الآية الرابعة (بعد أن قرأنا أول ثلاث آيات منه في ختام جلستنا الماضية):
٤ هذه مَبَادِئُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ، يَوْمَ عَمِلَ الرَّبُّ الإِلَهُ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ.
٥ كُلُّ شَجَرِ الْبَرِّيَّةِ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ فِي الأَرْضِ، وَكُلُّ عُشْبِ الْبَرِّيَّةِ لَمْ يَنْبُتْ بَعْدُ، لأَنَّ الرَّبَّ الإِلَهَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَمْطَرَ عَلَى الأَرْضِ، وَلاَ كَانَ إِنْسَانٌ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ.
٦ ثُمَّ كَانَ ضَبَابٌ يَطْلَعُ مِنَ الأَرْضِ وَيَسْقِي كُلَّ وَجْهِ الأَرْضِ.
٧ وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ تُرَاباً مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ، فَصَارَ آدَمُ نَفْساً حَيَّةً.
٨ وَغَرَسَ الرَّبُّ الإِلَهُ جَنَّةً فِي عَدْنٍ شَرْقاً، وَوَضَعَ هُنَاكَ آدَمَ الَّذِي جَبَلَهُ.
٩ وَأَنْبَتَ الرَّبُّ الإِلَهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلأَكْلِ، وَشَجَرَةَ الْحَيَاةِ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَشَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.
١٠ وَكَانَ نَهْرٌ يَخْرُجُ مِنْ عَدْنٍ لِيَسْقِيَ الْجَنَّةَ، وَمِنْ هُنَاكَ يَنْقَسِمُ فَيَصِيرُ أَرْبَعَةَ رُؤُوسٍ.
١١ اسْمُ الْوَاحِدِ فِيشُونُ، وَهُوَ الْمُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ الْحَوِيلَةِ حَيْثُ الذَّهَبُ.
١٢ وَذَهَبُ تِلْكَ الأَرْضِ جَيِّدٌ. هُنَاكَ الْمُقْلُ وَحَجَرُ الْجَزْعِ.
١٣ وَاسْمُ النَّهْرِ الثَّانِي جِيحُونُ، وَهُوَ الْمُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ كُوشَ.
١٤ وَاسْمُ النَّهْرِ الثَّالِثِ حِدَّاقِلُ، وَهُوَ الْجَارِي شَرْقِيَّ أَشُّورَ. وَالنَّهْرُ الرَّابِعُ الْفُرَاتُ.
١٥ وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا.
١٦ وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ قَائِلاً: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً.
١٧ وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ».
١٨ وَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ: «لَيْسَ جَيِّداً أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِيناً نَظِيرَهُ».
١٩ وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلَهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ وَكُلَّ طُيُورِ السَّمَاءِ، فَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا، وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ آدَمُ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ فَهُوَ اسْمُهَا.
٢٠ فَدَعَا آدَمُ بِأَسْمَاءٍ جَمِيعَ الْبَهَائِمِ وَطُيُورِ السَّمَاءِ وَجَمِيعَ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ، وَأَمَّا لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجِدْ مُعِيناً نَظِيرَهُ.
٢١ فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلَهُ سُبَاتاً عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْماً.
٢٢ وَبَنَى الرَّبُّ الإِلَهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً، وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ.
٢٣ فَقَالَ آدَمُ: «هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِئٍ أُخِذَتْ».
٢٤ لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَداً وَاحِداً.
٢٥ وَكَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ.
(سفر التكوين ٢: ٤-٢٥، ترجمة فان دايك)
٥. شرح الإصحاح الثاني: الإنسان في جنة عدن
كما رأينا، هذا إصحاح "الروابط الحلوة" كما يسميه الأب أنطونيوس فكري: صلة الإنسان بالله، وبالأرض، وبالحيوان، وبأخيه الإنسان في سر الزواج (تفسير سفر التكوين، ص ١٥٥).
١. الله يستريح - وإنسانه يعمل (آية ١-٣ تكملة)
تأملنا في ختام الجلسة الماضية في راحة الله في اليوم السابع. ويضيف لنا الأب أنطونيوس فكري بُعداً جميلاً: أن هذا اليوم السادس الذي فيه خُلق آدم يوازيه، في تدبير الله، اليوم السادس الذي فيه، وفي الساعة السادسة أيضاً بحسب التقليد، أكمل المسيح فداء البشرية على الصليب قائلاً "قد أُكمل"؛ فكما استراح الله من عمل الخليقة الأولى، استراح الفداء من عمل الخليقة الجديدة (تفسير سفر التكوين، ص ١٥٦).
ويرى القمص تادرس يعقوب ملطي في هذه الراحة بعداً آخر: فكثير من آباء الكنيسة تأملوا في وصية "حفظ السبت" - التي تعني في العبرية ذاتها "الراحة" - كرمز للثبات في السيد المسيح بكونه راحة الآب؛ فإن كان المسيح هو "اليوم السابع" الحقيقي أو السبت الحقيقي الذي فيه تصالحنا مع الآب بدم صليبه، فإننا إذ نثبت فيه نحمل سماته فينا ونمتلئ ببره، ونصير نحن أنفسنا ذلك السبت أو ذلك اليوم السابع (بحسب مضمون المصدر - تفسير سفر التكوين لملطي، شرح الإصحاح الثاني، "تقديس السبت").
٢. "الرب الإله": اسم جديد لعلاقة جديدة
يلفت انتباهنا الأب أنطونيوس فكري إلى أن الكتاب يستخدم من الآية الرابعة فصاعداً اسماً جديداً لله لم يظهر في الإصحاح الأول: "الرب الإله" (يهوه إلوهيم)، بينما اكتفى الإصحاح الأول بلفظ "الله" (إلوهيم) وحده. ويشرح أن لفظ "الله" يشير لسيادة الله على كل الخليقة، أما لفظ "الرب" (يهوه) فيشير لعلاقته بخاصته، أي بالإنسان الذي أحبه وخلق كل شيء لأجله؛ فمعنى "يهوه" هو "أكون الذي أكون"، أي الكائن بذاته الذي لا يعتمد على أحد في وجوده، وهو الذي يقول للإنسان بهذا الاسم: "أنا أكون... كل شيء لأحبائي" (تفسير سفر التكوين، ص ١٥٧-١٥٨). فمنذ الآية الرابعة يعلن لنا الكتاب أن هذا الإصحاح كله هو إصحاح المحبة الخاصة، لا السيادة الكونية العامة فقط.
٣. جبلة آدم: تراب ونسمة
"وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ تُرَاباً مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ، فَصَارَ آدَمُ نَفْساً حَيَّةً" (تك ٢: ٧). يشرح لنا الأب أنطونيوس فكري أن كلمة "آدم" نفسها تعني "أحمر"، من أصل "أدمة" أي تراب أحمر، وأن جسد الإنسان من تراب الأرض ليعرف حقيقة ضعفه بدون نعمة الله، لكنه أيضاً من نسمة الله ليعرف قيمته أمامه، فتكون الغلبة لروحه على جسده وشهواته (تفسير سفر التكوين، ص ١٥٨-١٥٩).
ويتأمل القديس يوحنا ذهبي الفم طويلاً في هذه الآية في عظته الثالثة عشرة على سفر التكوين، فيلاحظ أن الكتاب يستخدم هنا فعلاً مختلفاً عن كل ما سبقه: ففي كل أعمال الخليقة السابقة قال الكتاب "وقال الله: ليكن... فكان"، أما هنا فيقول "جَبَلَ الرَّبُّ الإِلَهُ" - وهو تعبير يكاد يُرينا، على قدر ما تحتمله لغة البشر، الله وهو يُشكّل الإنسان بيديه، "كما يقول كاتب آخر: يداك صنعتاني وجبلتاني" (بحسب مضمون المصدر - العظة ١٣، الفقرة ٤-٥). ويضيف ذهبي الفم أن الله لم يأخذ تراباً عادياً بل "غباراً" - أدق ما في التراب - وهذا التراب الدقيق بالذات هو ما حوّله الله بتدبيره إلى جسد بشري (بحسب مضمون المصدر). ثم يتأمل الأب أنطونيوس فكري أن هذه الآية تكشف عمل الثالوث القدوس معاً: الآب يريد أن يخلق ("نعمل الإنسان")، والابن الكلمة يُكوّن الإنسان (فبه كان كل شيء، يو ١: ٣)، والروح القدس يمنح الجسد الحياة بالنفخة، وبنفس الأسلوب - كما يلاحظ - تمت الخليقة الثانية فينا في المسيح: الآب يريد خلاص الجميع، والابن في الماء يؤسس سر المعمودية، والروح القدس يحل ليثبتنا في المسيح فنحيا (تفسير سفر التكوين، ص ١٥٩).
٤. جنة عدن: بيت الفرح
"وَغَرَسَ الرَّبُّ الإِلَهُ جَنَّةً فِي عَدْنٍ شَرْقاً... " (تك ٢: ٨). كلمة "عدن" في العبرية تعني "بهجة" أو "نعيم"؛ فالله خلق آدم ليحيا في فرح، لا في تعب أو خوف (تفسير سفر التكوين، ص ١٥٩). ويربط الأب أنطونيوس فكري بين شجرة الحياة في وسط الجنة والمسيح نفسه: "من يؤمن به تكون له الحياة الأبدية" (يو ٦: ٥٤)، فالمسيح هو أقنوم الحكمة، وشجرة الحياة صورة مسبقة له؛ ولذلك لا نجد في أورشليم السماوية، بحسب سفر الرؤيا، سوى شجرة حياة واحدة، ولا نسمع أبداً عن وجود شجرة معرفة خير وشر هناك، لأنه لا يوجد في السماء شرٌّ بل حياة أبدية فقط (تفسير سفر التكوين، ص ١٦٠).
أما "شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ"، فيوضح لنا الأب أنطونيوس فكري أن المشكلة لم تكن في معرفة الخير والشر بحد ذاتها - فالله يريدنا أن نميّز ونختار الخير - بل في أن من يأكل من هذه الشجرة سيعرف الخير حين يفقده، ويعرف الشر باختباره، وهي معرفة كان الله يريد أن يُجنّب آدم إياها لأنه كان ما يزال ضعيفاً (تفسير سفر التكوين، ص ١٦٠). ويضيف: "والانفصال عن الله يساوي موتاً، وكانت هذه سقطة إبليس نفسه" الذي شعر بإمكانياته فانفصل عن الله وهلك (بحسب مضمون المصدر). وأما الأنهار الأربعة التي تخرج من عدن، ففي القراءة الرمزية التي يقترحها الأب فكري، تشير كل أسمائها إلى فيض الروح القدس في حياة الإنسان: فيشون (النمو والانطلاق)، وجيحون (النجاة والخلاص)، وحداقل (السرعة في الاستجابة)، والفرات (الغزارة والعذوبة) - وانقسام النهر الواحد إلى أربعة رؤوس يشير إلى فيض هذا الروح على الكنيسة في كل أرجاء المسكونة (تفسير سفر التكوين، ص ١٦٠-١٦١).
ويتأمل القمص تادرس يعقوب ملطي بدوره في شجرة الحياة، ناقلاً كلمات القديس جيروم: "يقول سليمان: 'هي شجرة حياة لممسكيها' (أم ٣: ١٨)، متحدثاً عن الحكمة؛ فإن كانت الحكمة هي شجرة الحياة، فالحكمة بالحقيقة هي المسيح... إذ غُرست هذه الشجرة في جنة عدن، نُغرس نحن جميعاً هناك" (بحسب مضمون المصدر - تفسير سفر التكوين لملطي، شرح الإصحاح الثاني، "آدم في الفردوس"). بمعنى آخر، ما كان يمكن أن يكون لنا نصيب كأشجار حية مغروسة في الفردوس لو لم ينزل المسيح نفسه، شجرة الحياة، إلى وسط جنتنا ليعلن ذاته سرّ حياة لنا.
وهنا تحسن الإشارة إلى ما يراه القديس إيرينيؤس أسقف ليون: فهو يرى أن "من إرادة الله وحكمته، ومن أرض عذراء، أخذ الله تراباً وجبل الإنسان" - وهو ما يسميه "بدء الجنس البشري"؛ ويربط هذا بأن ربنا يسوع، إذ أراد أن "يُجمِّع من جديد" (يُلخّص) هذا الإنسان في ذاته، أخذ الترتيب نفسه للتجسد، إذ وُلد من عذراء بمشيئة الله وحكمته، ليُظهر شبه التجسد بآدم، ويصير هو نفسه "الإنسان المكتوب في البدء: على صورة الله ومثاله" (بحسب مضمون المصدر - إيرينيؤس، في التبشير الرسولي، ف ٣٢). سنعود إلى هذا الربط بتفصيل أكبر حين نصل إلى الإصحاح الثالث.
٥. الوصية: حرية محفوظة بمحبة
"وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ قَائِلاً: مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً. وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ" (تك ٢: ١٦-١٧). يوضح لنا الأب أنطونيوس فكري أن هذه الوصية هي إعلان لحرية إرادة الإنسان في آن واحد مع كونها شرط استمراره في هذا النوع من الحياة السعيدة: فمع الحرية لا بد من وصية، وإلا كانت الحرية بلا معنى. أما عبارة "موتاً تموت" فليست عقوبة انتقامية بقدر ما هي تحذير من نتيجة طبيعية: الانفصال عن الله يساوي الموت. ومن محبة الله للإنسان أنه، حين سقط فعلاً، لم يلعن الإنسان نفسه بل لعن الأرض ولعن الحية (تفسير سفر التكوين، ص ١٦٢). ويضرب لنا مثالاً رعوياً جميلاً: "كان آدم في الجنة مثل شخص ضعيف في غرفة معقّمة، أعطاه الطبيب وصية أنه لو خرج منها ستقابله الميكروبات فيمرض ويموت... وهكذا أعطى الله الوصايا كنصائح، مثلما يعطي الطبيب نصائح لمريضه حتى يطيل عمره بقدر الإمكان" (بحسب مضمون المصدر).
٦. "ليس جيداً أن يكون آدم وحده"
يتوقف الراهب القس صليب الصموئيلي عند هذه العبارة طويلاً في تأمله "من هو الله؟"، فيرى فيها أعجب مظاهر محبة الله: "قبل أن يشعر آدم أنه ليس له معين نظيره، عرف الله - تبارك اسمه - احتياجه، بل وتألم معه بقوله: ليس جيداً... وكأنه يقول: أنا شاعر بك، وحقاً إنه ليس جيداً أن تكون وحدك" (بحسب مضمون المصدر). ثم يتأمل كيف أن الله لم يفرض على آدم قراره، بل أشركه فيه: "لم يشأ الله أن يطلق على مخلوقاته أسماءها بنفسه، بل أعطى آدم حكمة، وجمع المخلوقات أمامه، وترك له هذا الأمر" (بحسب مضمون المصدر).
ويشرح لنا الأب أنطونيوس فكري لماذا أحضر الله الحيوانات لآدم قبل أن يخلق له حواء: فالله لا يفرض على الإنسان شيئاً رغماً عن إرادته، بل يتركه يكتشف احتياجه بنفسه؛ فحين درس آدم كل حيوان ليعطيه اسماً، لاحظ أنها جميعاً ذكر وأنثى، فاشتاق هو أيضاً أن يكون له معين نظيره، وتحوّل بذلك قرار الله في الآية ١٨ إلى طلبٍ نابعٍ من قلب آدم نفسه، "فالله لا يفيض عليّ شيئاً إلا بعد أن يقنعني، ويصير هذا الشيء طلباً لي" (تفسير سفر التكوين، ص ١٦٢-١٦٤).
٧. خلقة حواء: نبوة عن الكنيسة
"فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلَهُ سُبَاتاً عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ..." (تك ٢: ٢١-٢٢). يشرح الأب أنطونيوس فكري أن الله أخذ الضلع - لا العظم الأعلى فتتكبّر المرأة على الرجل، ولا الأسفل فيدوسها - بل من جانب القلب وتحت الذراع، ليحيطها بحبه ويحميها بذراعه (تفسير سفر التكوين، ص ١٦٤). ثم يقدّم لنا موازاة رائعة بين خلقة حواء وميلاد الكنيسة من جنب المسيح:
أوقع الرب سباتاً على آدم فنام ← مات المسيح على الصليب (وكان موته كالنوم).
فتح الله جنب آدم ليأخذ ضلعاً ← فُتح جنب المسيح بالحربة ليخرج دم وماء.
بنى الرب الإله الضلع امرأة ← الروح القدس يبني الكنيسة باستحقاقات الدم.
حواء هي جسد آدم (جسداً واحداً) ← الكنيسة هي جسد المسيح، والمسيح رأسها.
(تفسير سفر التكوين، ص ١٦٤)
ويصل بنا القمص تادرس يعقوب ملطي إلى ذات الموازاة بعبارة مكثّفة ينقلها عن القديس أغسطينوس تستحق أن تُقال ببطء: "متى خُلقت حواء؟ عندما نام آدم! متى فاضت أسرار الكنيسة من جنب المسيح؟ عندما نام على الصليب!" (بحسب مضمون المصدر - تفسير سفر التكوين لملطي، شرح الإصحاح الثاني، "خلق حواء"). فحواء لم تُخلق وآدم واعٍ يقظ، بل من ضلعه في أثناء نومه؛ وهكذا لم تخرج أسرار الكنيسة - وعلى رأسها المعمودية والإفخارستيا - من جنب المسيح إلا في تلك النومة العميقة التي هي موته على الصليب.
وحين قال آدم: "هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي" (تك ٢: ٢٣)، يذكّرنا الأب فكري بأن بولس الرسول نفسه يستخدم هذه الكلمات عن الكنيسة (أف ٥: ٣٠)، وأن عبارة "يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته" (تك ٢: ٢٤) تُفسَّر مسيحانياً بأن المسيح ترك مجده السماوي، إذ "كان في صورة الله فلم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد" (في ٢: ٦-٧)، وترك مجمع اليهود الذي وُلد منه بحسب الجسد، ليلتصق بالكنيسة التي فاضت أسرارها من جنبه المطعون (تفسير سفر التكوين، ص ١٦٤-١٦٥).
٨. "وكانا عريانين ولا يخجلان"
تختم الآية الأخيرة الإصحاح بلمسة لطيفة: "وَكَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ" (تك ٢: ٢٥). يشرح لنا الأب أنطونيوس فكري أنهما كانا عريانين جسدياً لكن مستورين روحياً، "فمن لم يعرف الخطية لن يعرف الخجل" (تفسير سفر التكوين، ص ١٦٥). ويصف لنا القديس يوحنا ذهبي الفم هذه الحال بكلمات مؤثرة في عظته السادسة عشرة: كانا "يعيشان على الأرض كما لو كانا في السماء"، وكانت تلك الحال البريئة "عيشة بلا هموم، حياة خالية من المتاعب، وحالة أشبه بالملائكة" (بحسب مضمون المصدر - العظة ١٦، الفقرة ٢). ويشير القديس إيرينيؤس إلى أن آدم وحواء "كانا طفلين" في تلك الحال، إذ لم يكن فيهما بعد إدراك لما يُولد بالشهوة والرغبات الخبيثة في النفس، فحفظا طبيعتهما نقية، "وهكذا لم يخجلا، إذ كانا يتعانقان في قداسة كطفلين" (بحسب مضمون المصدر - إيرينيؤس، في التبشير الرسولي، ف ١٤). هذه هي الحال التي سنراها، بعد آيات قليلة فقط، تتغيّر تغيّراً مأساوياً.
٦. قراءة الإصحاح الثالث من سفر التكوين
١ وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلَهُ. فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقّاً قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟».
٢ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: «مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ.
٣ وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا».
٤ فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا!
٥ بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ».
٦ فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهْجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ، فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضاً مَعَهَا فَأَكَلَ.
٧ فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ، فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ.
٨ وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلَهِ مَاشِياً فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلَهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ.
٩ فَنَادَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: «أَيْنَ أَنْتَ؟».
١٠ فَقَالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ».
١١ فَقَالَ: «مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟».
١٢ فَقَالَ آدَمُ: «الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ».
١٣ فَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ لِلْمَرْأَةِ: «مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟». فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: «الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ».
١٤ فَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ لِلْحَيَّةِ: «لأَنَّكِ فَعَلْتِ هذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَاباً تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ.
١٥ وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ».
١٦ وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «تَكْثِيراً أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ. بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَداً. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ».
١٧ وَقَالَ لآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ.
١٨ وَشَوْكاً وَحَسَكاً تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ.
١٩ بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزاً حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا، لأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ».
٢٠ وَدَعَا آدَمُ اسْمَ امْرَأَتِهِ حَوَّاءَ، لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ.
٢١ وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلَهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا.
٢٢ وَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ: «هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفاً الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضاً وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأَبَدِ».
٢٣ فَأَخْرَجَهُ الرَّبُّ الإِلَهُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ الَّتِي أُخِذَ مِنْهَا.
٢٤ فَطَرَدَ الإِنْسَانَ، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ.
(سفر التكوين ٣: ١-٢٤، ترجمة فان دايك)
٧. شرح الإصحاح الثالث: السقوط ووعد الخلاص
يفتتح كتاب "آدم وحواء" لقداسة البابا شنوده الثالث النظر في هذا الإصحاح بملاحظة عميقة ينقلها لنا الأب أنطونيوس فكري في مقدمته لشرح هذا الإصحاح: أن خطية آدم وحواء لم تكن خطية بسيطة بل "خطية مركّبة"، جمعت في داخلها عصياناً ومخالفة، ومعاشرة رديئة مع الحية، وشكّاً في محبة الله وصدقه، وانقياداً للشر، وضعف إيمان، واستهانة، وشهوة، وكبرياء ("أرادا أن يصيرا مثل الله، وهي نفس سقطة الشيطان")، وطلباً للمعرفة من غير الله، وعدم قناعة بكل ما أُعطي لهما (بحسب مضمون المصدر، تفسير سفر التكوين، ص ١٦٦). ويضيف الأب فكري أن ما تبع السقوط من خطايا - إعثار الآخرين، وعدم الاعتراف، وإلقاء التبعة على الغير، وتغطية الخطية بأوراق التين، والهروب من الله - هي بذاتها الأنماط التي سيتكرر بها سقوط الإنسان عبر كل التاريخ (تفسير سفر التكوين، ص ١٦٦-١٦٧).
١. كذبة الحية: جزء صدق وسط جزء خداع
"وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ..." (تك ٣: ١). يشرح لنا الأب أنطونيوس فكري أسلوب إبليس في هذا الحوار: فهو لم يكذب صراحة منذ البداية، بل دسّ الكذب وسط الصدق. فالله تكلّم فعلاً مع آدم وحواء وأعطاهما وصية بألا يأكلا من شجرة واحدة فقط، أما الحية فادّعت أن الله منعهما من الأكل من "كل" شجر الجنة، لتُصوّر الله بصورة الإله الظالم المتسلط، وتُثير المرأة ضده. ويلخّص لنا فكري هذا الأسلوب الشيطاني بعبارة موجزة: "جزء صدق + جزء خداع = خداع أكثر" (تفسير سفر التكوين، ص ١٦٧).
ويحذّرنا الأب فكري من خطأ حواء الأول، وهو أنها دخلت أصلاً في حوار مع الحية بدل أن تصمت: "كان عليها أن تكفّ ولا تسلّم نفسها في أيدي من يتآمر عليها. لكنها طرحت درّرها أمام الخنازير (مت ٧: ٦) فداستها الخنازير والتفتت فمزّقتها" (تفسير سفر التكوين، ص ١٦٧). ثم توسّعت الحية في الكذب: "لَنْ تَمُوتَا! بَلِ اللهُ عَالِمٌ..." (تك ٣: ٤-٥)، وهنا يعلّق القديس أوغسطينوس - كما ينقل عنه الأب فكري - بعبارة موجزة عميقة: "الله يقدّم وصيته للحياة، والمهلك (إبليس) يقترح خدعة ليُهلك؛ وذلك بتصوير أن وصية الله فيها حرمان من الملذات، بينما هذه الملذات هي طريق الفرح، وهذا حق لنا" (بحسب مضمون المصدر، تفسير سفر التكوين، ص ١٦٨).
٢. تجربة ثلاثية - وهزيمة مزدوجة
يلاحظ الأب أنطونيوس فكري أن حواء حُوربت بذات التجربة الثلاثية التي يصفها يوحنا الرسول: شهوة الجسد، وشهوة العيون، وتعظّم المعيشة (١يو ٢: ١٦)؛ "رأت أن الشجرة جيدة للأكل" (شهوة الجسد)، "بهجة للعيون" (شهوة العين)، وسمعت "تكونان كالله" (تعظّم المعيشة). ويقارن لنا الأب فكري هذه التجربة الثلاثية بعينها بتجربة السيد المسيح في البرية: "قل أن تصير هذه الحجارة خبزاً" (شهوة البطن)، "أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي" (شهوة العين)، "إن كنت ابن الله فاطرح نفسك لأسفل" (تعظّم المعيشة). وينهي بملاحظة موجزة قوية: "وما نجح فيه المسيح فشل فيه آدم وحواء؛ إذ أن المسيح ردّ على الشيطان بأقوال الله دون أن يحرّفها، أما حواء فقد حرّفت كلام الله فسقطت" (تفسير سفر التكوين، ص ١٦٨-١٦٩).
٣. "أين أنت؟" - سؤال الحب لا سؤال الجغرافيا
بعد أن انفتحت أعينهما وخاطا أوراق تين، "سَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلَهِ مَاشِياً فِي الْجَنَّةِ... فَاخْتَبَأَ آدَمُ" (تك ٣: ٨). يشرح الأب أنطونيوس فكري أن كلمة "ماشياً" هنا هي عن "صوت" الرب، أي عن كلمة الله، الابن الوحيد الجنس، الذي جاء مبادراً بالحب "ليقتنص الإنسان الساقط ويقيمه" (عب ٢: ١٤-١٥)؛ وأن هذا هو أول ظهور مشترك للثالوث في عمل الخلاص، فالآب يرسل صوته (كلمته) وروحه (ريح النهار) لآدم، كما حدث في عماد المسيح في الأردن (تفسير سفر التكوين، ص ١٧٠).
ويتوقف الراهب القس صليب الصموئيلي عند سؤال "أَيْنَ أَنْتَ؟" بتأمل مؤثر: "لم يكن في استطاعة آدم أن يتكلم مع الله بعد كسره لوصيته، فكان لا بد أن يبدأ الله إن أراد أن يسترجع هذه العلاقة... أراد الله أن يجعل آدم يعترف بخطيته، فتعامل معه بحوار غرضه الوصول إلى حل للمشكلة، لا تنفيذ للعقوبة وانتهى الأمر" (بحسب مضمون المصدر). ويشرح الأب أنطونيوس فكري نفس المعنى بقوله: "هذه لا تعني أن الله يسأل عن مكانه بل عن حاله؛ فهو صار ضائعاً مفقوداً من الشركة مع الله. والله يسأل آدم ليستدرجه للاعتراف... هنا صوت الله يبحث عن خروفه الضال" - ولذلك، كما يلاحظ، لم يسأل الله الحية شيئاً، "فلا رحمة للشيطان لأنه لن يتوب" (تفسير سفر التكوين، ص ١٧٠).
ومن هذا الحوار الإلهي بالذات، يستخلص لنا صليب الصموئيلي "دستوراً عملياً للتواصل الإنساني" يقوم على أربعة مبادئ: المبادرة والسعي لاحتواء المخطئ بدل انتظار اعتذاره ("أين أنت")؛ والإنصات وإعطاء فرصة كاملة للتعبير قبل الحكم؛ وعتاب المحبة الذي يهدف لاسترداد المخطئ لا فضحه وتحطيمه؛ وتقدير احتياج الطرف الآخر ومشاعره (كما في "ليس جيداً أن يكون آدم وحده"). ويختم بقوله: "كل حوار إنساني يخلو من المبادرة، والإنصات، وعتاب المحبة، والتقدير المشترك، هو حوار تشوّهت صورته بفعل الخطية. وما أحوجنا اليوم أن نسترد صورة الحوار الأولى التي رسمها لنا الخالق في جنة عدن" (بحسب مضمون المصدر).
٤. إلقاء اللوم: "المرأة التي جعلتها معي"
حين سُئل آدم، لم يعترف بل ألقى اللوم أولاً على حواء، بل وعلى الله نفسه ضمنياً: "الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي" (تك ٣: ١٢). يلاحظ الأب أنطونيوس فكري أن جواب حواء ربما كان أفضل من جواب آدم، إذ أقرّت أنها خُدعت، بينما اختبأ آدم - وهو رأس المرأة - وراءها، وكان من المفروض أن تتعلم هي منه لا العكس. ويعلّق بأسى: "وللأسف ما زالت هذه عادة الإنسان: فكثيرون حين يذكرون خطاياهم يقولون إن الله هو السبب" (تفسير سفر التكوين، ص ١٧١).
٥. لعنة تحمل بركة: أول وعد بالخلاص
"وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ" (تك ٣: ١٥). هذه هي أعمق آية في الإصحاح كله، ويسميها التقليد الكنسي "البشارة الأولى" أو "الإنجيل الأول" (Protoevangelium). يشرح لنا الأب أنطونيوس فكري أن هذه اللعنة الموجهة للحية تحمل في داخلها بركات عظيمة للإنسان، مقتبساً عبارة من القداس الغريغوري: "حوّلت لي العقوبة خلاصاً". فـ"نسل المرأة" هو المسيح نفسه، المولود من عذراء بلا زرع بشر - ولهذا بالذات رجع الإنجيلي لوقا بنسب المسيح إلى آدم، ليُظهر أن نسله هو الذي يسحق رأس الحية. و"سحق رأسك" يشير إلى انتصار الصليب الكامل على إبليس (كو ٢: ١٥)، بينما "تسحقين عقبه" تشير إلى آلام المسيح ومعاناته التي لحقت بطبيعته البشرية (تفسير سفر التكوين، ص ١٧١-١٧٢).
ويتوقف القمص تادرس يعقوب ملطي عند هذه الآية بالذات طويلاً، إذ يسمّيها "الوعد بالخلاص"، ويوضح أن الحية هنا صارت تمثّل إبليس نفسه، "الحية القديمة" (رؤ ١٢: ٩)، وأن الله وضع عداوة بين إبليس والمرأة حتى يأتي السيد المسيح من نسل المرأة - دون زرع بشر - ليسحق رأس الحية التي سحقت عقب البشرية، "كقول الرسول: إذ جرّد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهاراً، ظافراً بهم فيه [في الصليب]" (كو ٢: ١٤). ويربط ملطي بين "الرأس" وخطية الكبرياء تحديداً، ناقلاً عن القديس أغسطينوس: "رأس الحية هو الكبرياء الذي يُحدر حياة الإنسان فيجعلها عقباً؛ عندئذ تقدر أن تنفث فيه سمومها... فلتلاحظ أنت رأسها، أي الكبرياء، بكونه رأس كل الخطايا" (بحسب مضمون المصدر - تفسير سفر التكوين لملطي، شرح الإصحاح الثالث، "الوعد بالخلاص"). بمعنى آخر: الخطية تبدأ دائماً من "الرأس"، أي من الفكر الشرير الأول الذي يقترحه العدو، فيليق بنا أن نسحقه في بدايته قبل أن يُحدرنا إلى الاستسلام الكامل.
ويُقدّم لنا القديس إيرينيؤس تأملاً مكمّلاً بديع في كتابه "في التبشير الرسولي": فهو يربط بين خطية حواء العذراء غير المتزوجة وطاعة مريم العذراء، وبين شجرة الفردوس وخشبة الصليب، في مقاطع تستحق أن تُقرأ ببطء: "وكما أن الجنس البشري انحدر إلى الموت بواسطة عذراء عاصية، هكذا يُخلَّص بواسطة عذراء مطيعة لكلمة الله" (بحسب مضمون المصدر - إيرينيؤس، في التبشير الرسولي، ف ٣٣)؛ "وكان لا بد أن يُلخَّص آدم في المسيح، لكي يُبتلع الفاني في غير الفاني؛ وحواء في مريم، لكي عذراء تكون شفيعة لعذراء، فتُبطل العصيان العذراوي بالطاعة العذراوية" (بحسف مضمون المصدر، ف٣٣). ثم يصل إلى ذروة هذا التوازي: "والتعدي الذي حدث بواسطة الشجرة أُبطل بطاعة الشجرة، حين أطاع ابن الإنسان الله، مسمّراً على الشجرة، فأباد معرفة الشر، وأدخل معرفة الخير" (بحسب مضمون المصدر، ف ٣٣-٣٤).
٦. أقمصة الجلد: أول ذبيحة وأول ستر
"وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلَهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا" (تك ٣: ٢١). يوضح لنا الأب أنطونيوس فكري أن هذه الأقمصة الجلدية جاءت من ذبيحة، وفي هذه الذبيحة رأى آدم لأول مرة حيواناً بريئاً يموت ليُلبَس هو، فبدأ يفهم مبدأ أن هناك بريئاً يموت ليستتر هو المذنب. ويسأل الأب فكري سؤالاً لاهوتياً دقيقاً: من الذي قدّم هذه الذبيحة؟ لا يُعقل أن الله نفسه ذبح الخروف بيده؛ فالمنطق أن آدم هو من فعل ذلك بإرشاد من الله، لكن النص لا يذكر هذا، بل يقول "صنع الرب الإله... وألبسهما"، ليُشير بذلك إلى أن الذبيحة التي تستر البشرية حقاً هي ذبيحة المسيح نفسه على الصليب، الذي قدّم ذاته بإرادته: "لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها" (يو ١٠: ١٨) (تفسير سفر التكوين، ص ١٧٥-١٧٦).
٧. ماذا حمل المسيح عنّا
يقدّم لنا الأب أنطونيوس فكري خلاصة مؤثرة لكل ما تحمّله المسيح نيابة عن آدم من نتائج هذا الإصحاح: قَبِل اللعنة "ملعون كل من عُلّق على خشبة" (غل ٣: ١٣)؛ وصار "رجل أوجاع ومختبر الحزن" (أش ٥٣: ٣) تعبيراً عن تعب آدم؛ وحمل إكليل الشوك على رأسه عوضاً عن شوك الأرض؛ وتذوّق الموت لأجلنا (عب ٢: ٩)؛ وعلّق عارياً على الصليب عوضاً عن عري آدم؛ وأطاع حتى الموت، موت الصليب، عوضاً عن معصية آدم؛ وعرِق دماً في جثسيماني عوضاً عن عرق آدم؛ وصار "رجل أحزان" (أش ٥٣: ٣) (تفسير سفر التكوين، ص ١٧٤). فالإصحاح الذي يبدأ بسقوط الإنسان ينتهي بإعلان مسبق عن الفادي الذي سيحمل كل نتائج هذا السقوط.
٨. الكاروبيم ولهيب السيف: شاهد على المراحم لا عائق فقط
"فَطَرَدَ الإِنْسَانَ، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ" (تك ٣: ٢٤). يشرح لنا الأب أنطونيوس فكري أن هذا الكاروبيم لم يكن عقاباً فحسب، بل صار أيضاً شاهداً على محبة الله الذي لا يريد للإنسان أن يحيا إلى الأبد في جسد شوّهته الخطية، بل عليه أن يموت أولاً بهذا الجسد ليحصل بعد ذلك على الجسد الممجَّد ويحيا للأبد في مجد؛ "فالكاروبيم شاهد على مراحم الله الذي بدمه سوف يستعيد الإنسان مجده وحياته الأبدية"، تماماً كما كان الكاروبيم فوق تابوت العهد ينظران دم ذبيحة الكفارة على "كرسي الرحمة" (تفسير سفر التكوين، ص ١٧٦-١٧٧).
٩. لمسة من الآباء اليونانيين: حسد الشيطان، وثمرة العصيان
يصف لنا القديس يوحنا ذهبي الفم، في عظته السادسة عشرة، حال آدم وحواء قبل السقوط بعبارة تستحق أن نتوقف عندها: كانا "عاريين ولا يخجلان... متسامين فوق كل اهتمام جسدي، يعيشان على الأرض كأنهما في السماء" (بحسب مضمون المصدر - العظة ١٦، الفقرة ٢). ثم يشرح لنا حسد إبليس بكلمات نافذة: "رأى الروح الشرير أن الإنسان، مع كونه مخلوقاً، قد نال من الحظوة ما يجعله لا يقلّ كثيراً عن الملائكة... فامتلأ حسداً، إذ كان هو نفسه قد تمتع يوماً بمكانة بين القوات العلوية، لكنه سقط من ذلك السموّ بسبب فساد إرادته وإفراط شرّه" (بحسب مضمون المصدر - العظة ١٦، الفقرة ٣). هذا الحسد بالذات هو ما دفع إبليس لاستخدام الحية أداةً لسرقة الإنسان من نعمة الله.
أما القديس أثناسيوس الرسولي، فيربط لنا في مقالته "تجسد الكلمة" بين وصية "موتاً تموت" ومصير الإنسان كله: فالله لم يقل فقط إن الإنسان سيموت، "بل إنه سيبقى في حالة الموت والفساد" إن أخطأ (بحسب مضمون المصدر - تجسد الكلمة، الفصل الثالث تقريباً). ويوضح أن الإنسان، إذ خُلق "كروح متجسد" وأراد الله له أن يبقى غير فاسد، لكنه بابتعاده عن تأمل الله انجرف نحو الفساد، "فبمعصية الوصية كانوا يعودون بحسب طبيعتهم إلى ما كانوا عليه، أي إلى العدم، لأنهم كما أُوجدوا من العدم، هكذا كانوا سيعودون بالفساد إلى العدم من جديد" (بحسب مضمون المصدر). ويختم بالكلمات التي ستقودنا مباشرة إلى سبب التجسد نفسه: "كانت خطيتنا هي التي أنزلت الكلمة، وتعدّينا هو الذي استدعى محبته لنا، حتى أسرع لمعوننا وظهر بيننا" (بحسب مضمون المصدر). هكذا يربط لنا الأب الأثناسي، دون أن يقصد شرح سفر التكوين مباشرة، بين سقوط آدم في إصحاحنا هذا وبين سبب مجيء المسيح نفسه.
٨. قراءة الإصحاح الرابع من سفر التكوين
١ وَعَرَفَ آدَمُ حَوَّاءَ امْرَأَتَهُ، فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ قَايِينَ، وَقَالَتِ: «اقْتَنَيْتُ رَجُلاً مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ».
٢ ثُمَّ عَادَتْ فَوَلَدَتْ أَخَاهُ هَابِيلَ. وَكَانَ هَابِيلُ رَاعِياً لِلْغَنَمِ، وَكَانَ قَايِينُ عَامِلاً فِي الأَرْضِ.
٣ وَحَدَثَ مِنْ بَعْدِ أَيَّامٍ أَنَّ قَايِينَ قَدَّمَ مِنْ أَثْمَارِ الأَرْضِ قُرْبَاناً لِلرَّبِّ.
٤ وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضاً مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا. فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ.
٥ وَلكِنْ إِلَى قَايِينَ وَقُرْبَانِهِ لَمْ يَنْظُرْ. فَاغْتَاظَ قَايِينُ جِدّاً وَسَقَطَ وَجْهُهُ.
٦ فَقَالَ الرَّبُّ لِقَايِينَ: «لِمَاذَا اغْتَظْتَ؟ وَلِمَاذَا سَقَطَ وَجْهُكَ؟
٧ إِنْ أَحْسَنْتَ أَفَلاَ رَفْعٌ؟ وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ فَعِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ، وَإِلَيْكَ اشْتِيَاقُهَا وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا».
٨ وَكَلَّمَ قَايِينُ هَابِيلَ أَخَاهُ. وَحَدَثَ إِذْ كَانَا فِي الْحَقْلِ أَنَّ قَايِينَ قَامَ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ.
٩ فَقَالَ الرَّبُّ لِقَايِينَ: «أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟». فَقَالَ: «لاَ أَعْلَمُ! أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟».
١٠ فَقَالَ: «مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ.
١١ فَالآنَ مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا لِتَقْبَلَ دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ.
١٢ مَتَى عَمِلْتَ الأَرْضَ لاَ تَعُودُ تُعْطِيكَ قُوَّتَهَا. تَائِهاً وَهَارِباً تَكُونُ فِي الأَرْضِ».
١٣ فَقَالَ قَايِينُ لِلرَّبِّ: «ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ.
١٤ إِنَّكَ قَدْ طَرَدْتَنِي الْيَوْمَ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ، وَمِنْ وَجْهِكَ أَخْتَفِي، وَأَكُونُ تَائِهاً وَهَارِباً فِي الأَرْضِ، فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي».
١٥ فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «لِذلِكَ كُلُّ مَنْ قَتَلَ قَايِينَ فَسَبْعَةَ أَضْعَافٍ يُنْتَقَمُ مِنْهُ». وَجَعَلَ الرَّبُّ لِقَايِينَ عَلاَمَةً لِكَيْلاَ يَقْتُلَهُ كُلُّ مَنْ وَجَدَهُ.
١٦ فَخَرَجَ قَايِينُ مِنْ لَدُنِ الرَّبِّ، وَسَكَنَ فِي أَرْضِ نُودٍ شَرْقِيَّ عَدْنٍ.
١٧ وَعَرَفَ قَايِينُ امْرَأَتَهُ، فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ حَنُوكَ. وَكَانَ يَبْنِي مَدِينَةً، فَدَعَا اسْمَ الْمَدِينَةِ كَاسْمِ ابْنِهِ حَنُوكَ.
١٨ وَوُلِدَ لِحَنُوكَ عِيرَادُ، وَعِيرَادُ وَلَدَ مَحُويَائِيلَ، وَمَحُويَائِيلُ وَلَدَ مَتُوشَائِيلَ، وَمَتُوشَائِيلُ وَلَدَ لاَمَكَ.
١٩ وَاتَّخَذَ لاَمَكُ لِنَفْسِهِ امْرَأَتَيْنِ: اسْمُ الْوَاحِدَةِ عَادَةُ، وَاسْمُ الأُخْرَى صِلَّةُ.
٢٠ فَوَلَدَتْ عَادَةُ يَابَالَ الَّذِي كَانَ أَباً لِسَاكِنِي الْخِيَامِ وَرُعَاةِ الْمَوَاشِي.
٢١ وَاسْمُ أَخِيهِ يُوبَالُ الَّذِي كَانَ أَباً لِكُلِّ ضَارِبٍ بِالْعُودِ وَالْمِزْمَارِ.
٢٢ وَصِلَّةُ أَيْضاً وَلَدَتْ تُوبَالَ قَايِينَ، الضَّارِبَ كُلَّ آلَةٍ مِنْ نُحَاسٍ وَحَدِيدٍ. وَأُخْتُ تُوبَالَ قَايِينَ نُعْمَةُ.
٢٣ وَقَالَ لاَمَكُ لاِمْرَأَتَيْهِ عَادَةَ وَصِلَّةَ: «اسْمَعَا قَوْلِي يَا امْرَأَتَيْ لاَمَكَ، وَأَصْغِيَا لِكَلاَمِي، فَإِنِّي قَتَلْتُ رَجُلاً لِجُرْحِي، وَفَتًى لِشَدْخِي.
٢٤ إِنَّهُ يُنْتَقَمُ لِقَايِينَ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ، وَأَمَّا لِلاَمَكَ فَسَبْعَةً وَسَبْعِينَ».
٢٥ وَعَرَفَ آدَمُ امْرَأَتَهُ أَيْضاً، فَوَلَدَتِ ابْناً وَدَعَتِ اسْمَهُ شِيثاً: «لأَنَّ اللهَ قَدْ وَضَعَ لِي نَسْلاً آخَرَ عِوَضاً عَنْ هَابِيلَ لأَنَّ قَايِينَ قَتَلَهُ».
٢٦ وَلِشِيثَ أَيْضاً وُلِدَ ابْنٌ، فَدَعَا اسْمَهُ أَنُوشَ. حِينَئِذٍ ابْتُدِئَ أَنْ يُدْعَى بِاسْمِ الرَّبِّ.
(سفر التكوين ٤: ١-٢٦، ترجمة فان دايك)
٩. شرح الإصحاح الرابع: قايين وهابيل
يفتتح الأب أنطونيوس فكري شرح هذا الإصحاح بربطه المباشر بما سبق: "بعد أن سقط آدم وحواء حمل نسلهما ميكروب الخطية، وظهر هذا بقوة في الجريمة الأولى التي شهدت قتل قايين لأخيه هابيل" (تفسير سفر التكوين، ص ١٧٩).
١. اسما الأخوين، وترتيب البكورية الروحية
يشرح لنا الأب فكري أن اسم "هابيل" في العبرية يعني "غير ثابت" أو "زائل كالبخار"، وربما أطلقته حواء عليه بعد استشهاده متيقّنة أن مصير كل إنسان الزوال. ويلاحظ أن الكتاب يذكر اسم هابيل قبل قايين رغم أن قايين هو البكر بالجسد: "هنا يظهر مفهوم البكورية الروحية والجسدية؛ فقايين هو البكر جسدياً لكنه لشرّه فقد البكورية، فتقدّم عليه هابيل" - تماماً كما حدث لاحقاً مع رأوبين ويوسف، وعيسو ويعقوب. ويرى في هذا رمزاً أعمق: "كان قايين رمزاً لآدم الأول، بكر البشرية جسدياً، وقد فقد بكوريته ليظهر هابيل الحقيقي، السيد المسيح، آدم الثاني والبكر الحقيقي للبشرية" (تفسير سفر التكوين، ص ١٧٩-١٨٠).
ويقدّم لنا القمص تادرس يعقوب ملطي، نقلاً عن القديس أمبروسيوس في كتابه "قايين وهابيل"، توازياً كنسياً مكمّلاً لهذا الرمز: "نرى في قايين الشعب اليهودي الملطَّخ بدم ربّهم وخالقهم وأخيهم أيضاً، وفي هابيل نفهم الإنسان المسيحي الملتصق بالله" (بحسب مضمون المصدر - تفسير سفر التكوين لملطي، شرح الإصحاح الرابع، "قبول تقدمة هابيل"). فقايين، بكونه البكر جسدياً الذي جحد الإيمان ولطّخ يديه بدم بريء، يرمز للمجمع اليهودي الذي حمل بكورية معرفة الله لكنه رفض المسيح؛ بينما يمثّل هابيل كنيسة العهد الجديد التي تضم أعضاء من كل الأمم، فتحتل هي البكورية الروحية "كنيسة أبكار" (عب ١٢: ٢٣) من خلال التصاقها بالرب البكر.
٢. لماذا قُبل قربان هابيل ولم يُقبل قربان قايين؟
هذا هو السؤال المحوري في الإصحاح، ويجيب عليه الأب أنطونيوس فكري بعدة ملاحظات: أولاً، أن هابيل قدّم "مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا" - أي أفضل ما عنده - بينما قدّم قايين "مِنْ أَثْمَارِ الأَرْضِ" دون تمييز، كما لو كان يقدّم ما اتفق دون زهد أو محبة. ثانياً، أن تقدمة هابيل كانت "ذبيحة دموية تحمل رمزاً للسيد المسيح الذبيحة الحقيقية الذي صالحنا مع الآب"، بينما كانت تقدمة قايين من ثمار أرض ملعونة، تشير إلى أعمال البر الذاتي، "مثل ورق التين"، لا يمكنها أن تصالح الله والإنسان. ويستشهد بعبارة الرسول بولس: "بِالإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ للهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ" (عب ١١: ٤)؛ فالإيمان بالمسيح الذبيحة الحقيقية هو ما ميّز هابيل، "وكل أعمال الجسد بدون المسيح لا قيمة لها وتصبح غير مقبولة" (تفسير سفر التكوين، ص ١٨٠-١٨١).
ويؤكد لنا القديس يوحنا ذهبي الفم هذا المعنى بعمق في عظته الثامنة عشرة: فهو يشرح أن الله لا يقبل قرابيننا لحاجته إليها، "بل لأنه يريد أن يظهر شكرنا من خلالها"، وأن من يقدّم شيئاً لله وهو مدرك للفارق بين طبيعته وطبيعة الله ينبغي أن يقدّم أفضل ما لديه؛ ويلفت انتباهنا إلى دقة النص الكتابي: "نظر الرب إلى هابيل وقرابينه" - وسمّى تقدمة هابيل "قرابين" تكريماً لعزّتها وصفائها، بينما "لم ينظر إلى قايين وتقدمته"، وسمّى ما قدّمه قايين "تقدمة" فقط، إذ لم يكن فيها نفس الاختيار والزهد (بحسب مضمون المصدر - العظة ١٨، الفقرات ١٧-٢٠). ويضيف ذهبي الفم ملاحظة رعوية جوهرية: "ليست رعاية الغنم ولا جمع ثمار الأرض هو ما يطلبه الرب، بل مجرد التصرف بحسب النية القلبية" (بحسب مضمون المصدر - العظة ١٨، الفقرة ٢٠).
٣. "عند الباب خطية رابضة"
حين اغتاظ قايين، لم يتركه الله لغضبه بل حاوره: "لِمَاذَا اغْتَظْتَ؟... إِنْ أَحْسَنْتَ أَفَلاَ رَفْعٌ؟ وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ فَعِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ" (تك ٤: ٦-٧). يشرح لنا الأب أنطونيوس فكري أن كلمة "رابضة" تُستخدم عادة مع الوحوش المفترسة، وكأن الخطية وحش يربض عند الباب لينقضّ. ويرسم لنا صورة تدريجية لتصاعد الخطية في قلب قايين: "كان الحسد عند الباب، وحينما دخل إلى داخل قلب قايين ظهر الغضب والحقد عند الباب، وحينما دخل الغضب والحقد ظهر القتل عند الباب" - فكل خطية نستسلم لها تفتح الباب لخطية أعظم منها (تفسير سفر التكوين، ص ١٨١-١٨٢).
ويقدّم لنا الأب فكري أيضاً قراءة بديلة جميلة لهذه الآية، إذ يلاحظ أن كلمة "خطية" في العبرية هي نفسها كلمة "ذبيحة خطية"، فيمكن أن تُقرأ الآية: "عند الباب ذبيحة خطية رابضة، وإليك اشتياقها وأنت تسود عليها" - أي أن هناك رحمة متاحة عند الباب، ذبيحة يمكن أن يستفيد منها كل خاطئ، فلا داعي لليأس؛ "وقوله عند الباب يذكّرنا بقول السيد المسيح: أنا واقف على الباب أقرع" (رؤ ٣: ٢٠) (تفسير سفر التكوين، ص ١٨٢).
٤. "أين هابيل أخوك؟" و"صوت دم أخيك صارخ"
بعد الجريمة، يُكرّر الله السؤال الذي سأله لآدم من قبل، بصيغة جديدة: "أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟" (تك ٤: ٩). لكن رد قايين هذه المرة مختلف تماماً عن رد آدم: "لاَ أَعْلَمُ! أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟" - رد فيه تبجّح وكذب صريح على الله. يلاحظ الأب فكري أن الخطايا هنا تتصاعد: من حسد، إلى غضب، إلى قتل، إلى كذب على الله، إلى وقاحة في الرد عليه (تفسير سفر التكوين، ص ١٨٢-١٨٣).
أما "صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ" (تك ٤: ١٠)، فيشرح لنا الأب فكري أن قايين أخفى جسد أخيه لكنه لم يقدر أن يُخفي صوت النفس الصارخة إلى الله؛ ومن المعزّي أن أول من مات في تاريخ البشرية ذهب إلى السماء لأنه كان قديساً وباراً. ويصل بنا إلى ذروة رمزية جميلة: "كان هابيل رمزاً للمسيح، فدم المسيح الذي سفكه إخوته اليهود (رمزهم قايين) صار أيضاً يصرخ، لكن طالباً الشفاعة والغفران والكفارة، لذلك هو أفضل" - في إشارة إلى قول الرسول بولس: "دَمِ رَشٍّ يَتَكَلَّمُ أَفْضَلَ مِنْ هَابِيلَ" (عب ١٢: ٢٤) (تفسير سفر التكوين، ص ١٨٢-١٨٣).
ويحمل القمص تادرس يعقوب ملطي هذا المعنى نفسه إلى عمق أبعد، ناقلاً عن القديس إكليمنضس الإسكندري: "لم يكن ممكناً للدم أن ينطق بصوت، لولا ما تحمله من إشارة خاصة بالكلمة المتجسد؛ فالرجل البار القديم [هابيل] كان رمزاً للبار الجديد [السيد المسيح كلمة الله]... الدم الذي هو الكلمة يصرخ إلى الله معلناً أن الكلمة يتألم" (بحسب مضمون المصدر - تفسير سفر التكوين لملطي، شرح الإصحاح الرابع، "قتل هابيل"). ويضيف ملطي أن الظلم لا يُخرس النفس، بل يجعلها بالأكثر متحدة بكلمة الله الحيّ المصلوب، "فيصير لها الصوت الذي لا يغلبه الموت ولا يحبسه القبر" (بحسب مضمون المصدر).
٥. علامة قايين: عقوبة ورحمة معاً
حتى في لحظة الحكم على قايين، لا تغيب رحمة الله: "وَجَعَلَ الرَّبُّ لِقَايِينَ عَلاَمَةً لِكَيْلاَ يَقْتُلَهُ كُلُّ مَنْ وَجَدَهُ" (تك ٤: ١٥). يرى الأب فكري في رد قايين "ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ" احتمالات عدة: قد تكون بداية توبة وشعور بالخطأ، أو حالة يأس بلا داعٍ من رحمة الله، أو ندماً نابعاً من خوف العقاب الأرضي أكثر من كراهية الخطية ذاتها؛ لكن "سواء هذا أو ذاك، فالله الرحوم نجده يبدأ مع قايين بالحب لعله يتوب" (تفسير سفر التكوين، ص ١٨٣-١٨٤).
٦. نسل قايين: تقدّم بلا الله
يسرد لنا الإصحاح نسل قايين حتى لامك، ويلاحظ الأب أنطونيوس فكري ملاحظة رعوية دقيقة: "نجد هنا في هذه الأسماء والحِرَف الجمال، والقوة، وصناعة الحديد والنحاس، وكل هذا لا يوجد فيه خطية، لكن لم نسمع أن أحداً من هذه العائلة كانت له علاقة بالله؛ ولذلك فالجمال بدون علاقة مع الله يصبح شهوة ولذة وعبادة للعالم، والقوة بدون الله يصبح فيها افتخار واعتداد بالذات وكبرياء" (تفسير سفر التكوين، ص ١٨٦). ويصف لنا "أغنية السيف" التي أنشدها لامك لزوجتيه (تك ٤: ٢٣-٢٤) بأنها "أول قطعة شعرية في الأدب العبري"، تفوح منها "رائحة الافتخار والاعتداد بالذات والثقة في قوة الإنسان وعنفه"؛ فبينما طلب الله أن يُنتقم لقايين سبعة أضعاف كرحمة، تعاظم لامك فادّعى لنفسه انتقاماً سبعة وسبعين ضعفاً، وهذا "استغلال لطول أناة الله" (تفسير سفر التكوين، ص ١٨٦).
٧. شيث وأنوش: بداية الدعوة باسم الرب
يختم الإصحاح بولادة شيث "عوضاً عن هابيل"، ثم ابنه أنوش: "حِينَئِذٍ ابْتُدِئَ أَنْ يُدْعَى بِاسْمِ الرَّبِّ" (تك ٤: ٢٦). يشرح لنا الأب فكري أن الله لم يترك حواء منكسرة الخاطر بفقدان ابنيها، بل وهبها شيث - ومعنى اسمه "عِوَض" - "فهو عوض هابيل، ويعني أيضاً معين، فالله عيّنه رأساً لجيل مقدس". ويرى في إقامة شيث عوضاً عن هابيل معنى "امتداد حياة هابيل"، أي صورة مسبقة لقيامة المسيح نفسه (تفسير سفر التكوين، ص ١٨٦-١٨٧). ومن هذه اللحظة بالذات، ابتدأ أولاد شيث يُدعون "أولاد الله"، في مقابل نسل قايين الذين سيُدعون "أولاد الناس" (تك ٦: ٢) - وهذا التمييز سيصير محور الإصحاح السادس الذي سندرسه في جلسة قادمة.
١٠. قراءة الإصحاح الخامس من سفر التكوين
سِفر الأنساب هذا مكتوب بأسلوب متكرر يشبه لازمة ترتيلة، ونقرأه معاً على هذا الإيقاع، فنسمع فيه صدى واحداً يتكرر عشر مرات: "... وَمَاتَ":
١ هذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ. يَوْمَ خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى شِبْهِ اللهِ عَمِلَهُ.
٢ ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ، وَبَارَكَهُمْ، وَدَعَا اسْمَهُمْ آدَمَ يَوْمَ خُلِقُوا.
٣ وَعَاشَ آدَمُ مِئَةً وَثَلاَثِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ وَلَداً عَلَى شِبْهِهِ كَصُورَتِهِ، وَدَعَا اسْمَهُ شِيثاً.
٤ وَكَانَتْ أَيَّامُ آدَمَ بَعْدَمَا وَلَدَ شِيثاً ثَمَانِيَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ.
٥ فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ آدَمَ الَّتِي عَاشَهَا تِسْعَ مِئَةٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً، وَمَاتَ.
٦-٨ وَعَاشَ شِيثُ مِئَةً وَخَمْسَ سِنِينَ وَوَلَدَ أَنُوشَ... فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ شِيثَ تِسْعَ مِئَةٍ وَاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَاتَ.
٩-١١ وَعَاشَ أَنُوشُ تِسْعِينَ سَنَةً وَوَلَدَ قِينَانَ... فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ أَنُوشَ تِسْعَ مِئَةٍ وَخَمْسَ سِنِينَ، وَمَاتَ.
١٢-١٤ وَعَاشَ قِينَانُ سَبْعِينَ سَنَةً وَوَلَدَ مَهْلَلْئِيلَ... فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ قِينَانَ تِسْعَ مِئَةٍ وَعَشْرَ سِنِينَ، وَمَاتَ.
١٥-١٧ وَعَاشَ مَهْلَلْئِيلُ خَمْساً وَسِتِّينَ سَنَةً وَوَلَدَ يَارَدَ... فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ مَهْلَلْئِيلَ ثَمَانِيَ مِئَةٍ وَخَمْساً وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَمَاتَ.
١٨-٢٠ وَعَاشَ يَارَدُ مِئَةً وَاثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً وَوَلَدَ أَخْنُوخَ... فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ يَارَدَ تِسْعَ مِئَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَمَاتَ.
٢١-٢٤ وَعَاشَ أَخْنُوخُ خَمْساً وَسِتِّينَ سَنَةً وَوَلَدَ مَتُوشَالَحَ. وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ بَعْدَمَا وَلَدَ مَتُوشَالَحَ ثَلاَثَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ أَخْنُوخَ ثَلاَثَ مِئَةٍ وَخَمْساً وَسِتِّينَ سَنَةً. وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ.
٢٥-٢٧ وَعَاشَ مَتُوشَالَحُ مِئَةً وَسَبْعاً وَثَمَانِينَ سَنَةً وَوَلَدَ لاَمَكَ... فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ مَتُوشَالَحَ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعاً وَسِتِّينَ سَنَةً، وَمَاتَ.
٢٨-٣١ وَعَاشَ لاَمَكُ مِئَةً وَاثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً وَوَلَدَ ابْناً. وَدَعَا اسْمَهُ نُوحاً قَائِلاً: «هذَا يُعَزِّينَا عَنْ عَمَلِنَا وَتَعَبِ أَيْدِينَا مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ الَّتِي لَعَنَهَا الرَّبُّ»... فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ لاَمَكَ سَبْعَ مِئَةٍ وَسَبْعاً وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَمَاتَ.
٣٢ وَكَانَ نُوحٌ ابْنَ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ نُوحٌ: سَاماً وَحَاماً وَيَافَثَ.
(سفر التكوين ٥: ١-٣٢، ترجمة فان دايك، بتلخيص العبارات المتكررة للآيات الوسيطة)
١١. شرح الإصحاح الخامس: من آدم إلى نوح
١. اللازمة الحزينة: "ومات"
يلاحظ الأب أنطونيوس فكري ملاحظة تلخّص كل الإصحاح: "النغمة المتكررة هي 'وَمَاتَ'، فهو الإصحاح الذي يُثبت أنه بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس" (رو ٥: ١٢) (تفسير سفر التكوين، ص ١٨٩). فكل اسم في هذه القائمة، مهما طال عمره - حتى متوشالح الذي عاش ٩٦٩ سنة، وهو أطول الأعمار في الكتاب المقدس كله - ينتهي بذات الكلمة: "ومات". ويعلّق فكري: "مهما طال العمر فنهايته الموت" (تفسير سفر التكوين، ص ١٩٠).
وعن متوشالح بالذات يعلّق القمص تادرس يعقوب ملطي بكلمات القديس جيروم التي تختصر لاهوت هذا الإصحاح كله: "حتى إن عشنا تسعمائة سنة أو أكثر كما كان الناس قبل الطوفان، ولو وُهب لنا أيام متوشالح، لكن هذه الفسحة من الزمن الطويل عندما تعبر وتنتهي تُحسب كلا شيء؛ فإن عاش الإنسان عشر سنوات أو ألفاً من السنين، عندما تنتهي الحياة ويتحقق الموت المحتوم يُحسب الماضي - طال أو قصر - واحداً" (بحسب مضمون المصدر - تفسير سفر التكوين لملطي، شرح الإصحاح الخامس، "متوشالح"، ص ١٦١).
٢. "على شبهه كصورته": الصورة تنتقل، لكن مُظلَمة
"وَعَاشَ آدَمُ مِئَةً وَثَلاَثِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ وَلَداً عَلَى شِبْهِهِ كَصُورَتِهِ" (تك ٥: ٣). يلفت الأب فكري انتباهنا إلى تغيّر دقيق لكنه بالغ الأهمية: ففي الآية الأولى، خُلق آدم "على شبه الله"، أما شيث فقد وُلد "على شبه آدم" - لا على شبه الله مباشرة - "ففاقد الشيء لا يعطيه؛ فبالخطية فقد آدم صورة الله وكل مميزاتها، بل كان شيث على شبه آدم: ضعيفاً، ساقطاً، وارثاً للخطية، ومحكوماً عليه بالموت" (تفسير سفر التكوين، ص ١٨٩). هذه الملاحظة اللغوية الدقيقة تُظهر لنا كيف ينتقل الضعف البشري جيلاً بعد جيل - وهي بعينها الحقيقة التي سيأتي المسيح، "صورة الله غير المنظور" (كو ١: ١٥)، ليُرمّمها فينا من جديد، كما تأملنا في الجلسة الماضية مع القديس أثناسيوس.
٣. أخنوخ: من "سار مع الله" ولم يذق الموت
وسط هذه القائمة الحزينة المتكررة، يبرز استثناء واحد مشرق: "وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ" (تك ٥: ٢٤). يشرح لنا الأب فكري معنى هذه العبارة: "أنه وضع الله أمامه، منفّذاً كل وصاياه وشرائعه، شاعراً أن عين الله عليه فيخاف أن يصنع الشر، ويبحث عن مجد الله، يسير مع الله في أفراحه وأحزانه" (تفسير سفر التكوين، ص ١٩١). ويربط بين اسمه (ومعناه "تعليم" أو "تهذيب") وبين كونه يمثّل "القلب الذي يتحد مع الله ويصير موضع سروره، فلا يمكن للموت الروحي أن يجد له موضعاً فيه" (تفسير سفر التكوين، ص ١٩١). ويذكّرنا الأب فكري بشهادة الرسول بولس نفسه عن أخنوخ: "بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْلاَ يَرَى الْمَوْتَ... لأَنَّهُ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ أَرْضَى اللهَ" (عب ١١: ٥)؛ ويقدّم لنا تأملاً جميلاً: أن باقي نسل شيث من القديسين يمثّلون الكنيسة التي يموت أفرادها على رجاء القيامة، أما أخنوخ فيمثّل أعضاء الكنيسة الذين لن يعاينوا الموت عند مجيء الرب الثاني، بل يرتفعون معه على السحاب (تفسير سفر التكوين، ص ١٩١). ويلاحظ فكري مقارنة رمزية مؤثرة: حنوك (بنفس الاسم تقريباً) من نسل قايين بنى أول مدينة على الأرض، وهذه غرقت لاحقاً في الطوفان؛ أما أخنوخ من نسل شيث فلم يملك شيئاً على الأرض، لكنه صار في السماء - "فمدينة حنوك غرقت وهلك هو، أما أخنوخ فيمثّل استرداد الإنسان لحالته الفردوسية الأولى بانطلاقه من الأرض التي فسدت إلى مقدس الله" (تفسير سفر التكوين، ص ١٩١).
ويتأمل القمص تادرس يعقوب ملطي بدوره طويلاً في أخنوخ، فيلاحظ أنه الإنسان الوحيد في هذه السلسلة الحزينة الذي لم تُختم حياته بكلمة "ومات"، بل قيل عنه "لم يوجد لأن الله أخذه"، وأن باقي الأنساب تمثّل البشرية المؤمنة التي تنتظر الرجاء في مجيء المخلص لينقلها من الموت إلى الحياة، أما أخنوخ فيمثّل أعضاء الكنيسة الذين لن يعاينوا الموت عند مجيء الرب، بل يرتفعون معه على السحاب (١تس ٤: ١٤-١٧) (تفسير سفر التكوين لملطي، شرح الإصحاح الخامس، "أخنوخ البار"، ص ١٥٧-١٥٨). ويستشهد ملطي بكلمات القديس يوحنا ذهبي الفم اللافتة: "فاق هذا الرجل هابيل في إيمانه؛ ربما تسأل كيف؟ أنه بالرغم من مجيئه بعده، فإن ما أصاب هابيل كان كافياً بصدّه عن سعيه... ومع هذا لم يدخل أخنوخ إلى التراخي، ولا قال في نفسه: ما الحاجة إذن إلى التعب؟! كان أخنوخ عظيماً في إيمانه، فمع عدم رؤيته أمثلة حية يحتذي بها، ومع سماعه ما حدث مع هابيل، عاش مع الله يسلك بالبر فاستحق أن يأخذه الله" (بحسب مضمون المصدر - تفسير سفر التكوين لملطي، شرح الإصحاح الخامس، "أخنوخ البار"، ص ١٦٠). ويرى فيه القديس أمبروسيوس صورة للحياة الرسولية التي لا يهزمها الموت: "ليس أخنوخ وحده هو الذي لا يعرف الموت... إنما بولس أيضاً ارتفع ليلتقي بالمسيح" (بحسب مضمون المصدر، ص ١٥٨-١٥٩).
٤. معاني الأسماء: نبوّة صامتة عبر الأجيال
يشير الأب أنطونيوس فكري إلى معاني الأسماء العشرة في هذه السلسلة، ويلاحظ أنها، مقروءة معاً، تحمل خيطاً روحياً متصلاً: شيث (عِوَض)، أنوش (إنسان ضعيف هش، لكن الله يستخدم الآنية الضعيفة)، قينان (اقتناء - حين ندرك ضعفنا وأن قوتنا بالله يقتنينا الله)، مهللئيل (الله بهاء واستنارة)، يارد (نزول - وهذه من صفات شعب الله: التواضع)، أخنوخ (تعليم وتهذيب)، متوشالح (رجل السلاح - فعلى شعب الله أن يجاهد حتى الدم)، لامك (القوي، لكن ليس بذاته كلامك قايين، بل قوياً بالله)، ونوح (راحة وتعزية) (تفسير سفر التكوين، ص ١٩٠-١٩١). فحين نقرأ هذه الأسماء متتالية، نكاد نسمع جملة روحية كاملة تتنبأ بمسيرة كل مؤمن: عوض، إنسان ضعيف، اقتناء بالله، استنارة، تواضع، تعليم، جهاد، قوة من الله، راحة أخيراً.
وأخيراً يختم الإصحاح بولادة نوح، الذي سمّاه أبوه لامك بهذا الاسم قائلاً: "هذَا يُعَزِّينَا عَنْ عَمَلِنَا وَتَعَبِ أَيْدِينَا" (تك ٥: ٢٩)، لأنه كان يأمل أن يكون هو المسيّا المنتظر. يشرح لنا الأب فكري أن هذا الأمل، وإن لم يتحقق حرفياً في نوح، كان نبوّة صحيحة الاتجاه: فمن نسل نوح سيأتي المسيح فعلاً، وفي المسيح نرتاح حقاً من كل أتعابنا، وأصبح نوح نفسه، بعد الطوفان، "علامة راحة العالم بعد التجديد" (تفسير سفر التكوين، ص ١٩١-١٩٢). وبهذا يُغلق سفر التكوين قسمه الأول (١: ١ - ٥: ٣٢) على اسم نوح تحديداً، الذي سيكون بطل القسم الثاني الذي سندرسه في جلسة قادمة.
١٢. خلاصة جامعة: ماذا رأينا اليوم عن الله وعن الإنسان؟
قبل أن ننتقل إلى التطبيق، دعونا نجمع خيوط هذه الإصحاحات الأربعة معاً. رأينا اليوم إلهاً لا يكتفي بأن يخلق، بل يبقى قريباً من خليقته: يُعدّ لآدم جنة وطعاماً قبل أن يخلقه، ويحاوره ليكتشف احتياجه بنفسه، ويسأله "أين أنت" حين يهرب، ويحاور قايين قبل أن يسقط في القتل، ويضع علامة حماية على القاتل نفسه، ويسير مع أخنوخ جيلاً بعد جيل. هذا هو "الرب الإله" الذي تعلّمنا اسمه اليوم: ليس فقط سيد الكون، بل مَن يحب خاصته بمحبة أبوية شخصية.
ورأينا في المقابل إنساناً حراً حقاً، حرية حقيقية تحمل مسؤولية حقيقية: آدم الذي اختار الأكل من الشجرة الممنوعة، وقايين الذي اختار أن يفتح الباب لغضبه حتى القتل. وفي كلتا الحالتين، لم تكن الخطية قدراً محتوماً بل اختياراً، ولم تكن نتيجتها انتقاماً إلهياً أعمى بل تأديباً يحمل في داخله بذرة الرجاء: وعد بنسل يسحق رأس الحية، وعلامة حماية على قايين، وشيث "عوضاً" عن هابيل، وأخنوخ الذي "سار مع الله" وسط جيل كامل يسير بعيداً عنه.
وفي كل هذا، لم يكف نسيج الكتاب المقدس عن أن يُرينا ظل المسيح يمتد عبر كل صفحة: في شجرة الحياة، وفي الرب الذي جاء يطلب آدم الهارب، وفي وعد نسل المرأة، وفي الذبيحة التي سترت عري أبوينا الأولين، وفي هابيل البار الذي قُتل ظلماً، وفي شيث الذي أعاد الرجاء بعد الفقد. فسفر التكوين، من إصحاحه الثاني إلى الخامس، ليس فقط قصة بداية البشرية، بل هو - بعيون الإيمان - نبوّة متصلة عن المخلّص الآتي.
١٣. روابط بالليتورجيا والتقليد الكنسي
١. سر الزواج وقانون الإفخارستيا
تأملنا كيف أسّس الله سر الزواج في خلقة حواء من جنب آدم النائم، وفي قوله "يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً" (تك ٢: ٢٤). هذه الآية بعينها هي التي يقتبسها الرسول بولس في رسالته إلى أهل أفسس ليشرح بها سرّ العلاقة بين المسيح والكنيسة (أف ٥: ٣١-٣٢)، وهي الآية التي ما تزال تُقرأ حتى اليوم في صلوات إكليل الزواج في كنيستنا القبطية، لتُذكّر العروسين أن اتحادهما ليس مجرد عقد اجتماعي، بل صورة حية لاتحاد المسيح بكنيسته.
٢. أقمصة الجلد وسر المعمودية والميرون
رأينا كيف صنع الله لآدم وحواء "أقمصة من جلد" بعد السقوط، ذبيحة تستر عريهما. ويربط الأب أنطونيوس فكري هذا بما تحتفل به الكنيسة في سرّي المعمودية والميرون: فكما ألبس الله أبوينا الأولين ثوباً من ذبيحة بريئة، تُلبسنا الكنيسة اليوم "ثوب البر" في المعمودية، إذ "كل من اعتمد بالمسيح لبس المسيح" (غل ٣: ٢٧)، ونُختم بميرون الروح القدس، امتداداً لعمل الروح الذي رأيناه يرفّ على المياه في بدء الخليقة (تفسير سفر التكوين، ص ١٥٧-١٥٩، وانظر أيضاً ما تأملناه في الجلسة الأولى).
٣. "أين أنت؟" وسر الاعتراف
سؤال الله لآدم "أين أنت" هو - كما رأينا - دعوة للاعتراف لا استجواباً قضائياً. وهذا بعينه هو روح سرّ التوبة والاعتراف في كنيستنا: فالأب الكاهن، حين يستمع لاعتراف أولاده، لا يفعل ذلك بروح الديّان، بل بروح الله الذي ينادي "أين أنت"، يفتح الباب للاعتراف دون أن يفرضه، منتظراً أن يخرج الخاطئ من اختبائه بحرية. وهذا هو أيضاً معنى صلاة الكاهن السرية في القداس الإلهي حين نتقدم للتناول: طلب المصالحة، لا الخوف من الدينونة.
٤. تذكار هابيل والأبرار في القداس الإلهي
يذكر لنا التقليد الكنسي أن هابيل الصديق يُذكر بين الأبرار والشهداء الأولين، بصفته أول من سفك دمه ظلماً على الأرض، وأول رمز للمسيح المذبوح. وحين نُصلي في القداس الإلهي طالبين شفاعة "جميع الصديقين والأبرار"، فإننا نضم صوتنا إلى دم هابيل الذي "لا يزال يتكلم" (عب ١١: ٤)، طالبين أن نكون نحن أيضاً من أبناء هذا النسل البار الذي بدأ بشيث وأنوش، والذي "ابتُدئ فيه أن يُدعى باسم الرب" (تك ٤: ٢٦).
١٤. قصة من تراث الآباء
من كتاب "أقوال الآباء الروحيين" (The Sayings of the Holy Desert Fathers)، نقرأ القول رقم ٣٩٧ (بحسب مضمون القصة كما وردت في المصدر):
يُحكى عن أخ سقط في خطية، فجاء إلى الأنبا لوط، وكان مرتبكاً ومضطرباً، يدخل ويخرج بلا استقرار. فقال له الأنبا لوط: "ما بك يا أخي؟" فقال: "لقد ارتكبتُ خطية عظيمة، ولا أقدر أن أعترف بها أمام الآباء". فقال له الشيخ: "اعترف بها لي، وأنا أحملها معك". فقال له الأخ: "لقد سقطتُ في الزنى". فقال له الشيخ: "تشجّع، فما تزال هناك توبة؛ اذهب واجلس في مسكنك وصُم أسبوعين، وأنا أحمل معك نصف خطيتك". وفي نهاية ثلاثة أسابيع، أُعلن للشيخ أن الله قد قَبِل توبة ذلك الأخ، فبقي مع الشيخ وخضع له إلى يوم وفاته.
كيف ترتبط هذه القصة بما تأملنا فيه اليوم؟ لاحظوا الفارق الكبير بين موقف هذا الأخ وموقف قايين: كلاهما سقط في خطية، لكن الأخ لم يستطع أن يحتمل الاختباء، فجاء يطلب من يشاركه ثقل خطيته، بينما اختار قايين حين سُئل "أين هابيل أخوك" أن يكذب ويتبجّح: "لا أعلم! أحارس أنا لأخي؟". والأنبا لوط، إذ قال للأخ "اعترف بها لي وأنا أحملها معك"، إنما جسّد بعينه ما فعله الله مع آدم حين ناداه "أين أنت؟" - لا بروح الديّان الذي يُدين ليُهلك، بل بروح الراعي الذي يبحث عن خروفه الضال ليحمله على كتفيه. وهذا هو بالضبط ما يفعله كل أب اعتراف أمين في كنيستنا اليوم: لا يكتفي بسماع الخطية، بل "يحملها" مع أولاده في الصلاة والصوم والمشورة، كما حمل الشيخ نصف خطية ذلك الأخ. فلنسأل الرب أن يهبنا نحن أيضاً قلباً كقلب ذلك الأخ التائب، لا يحتمل أن يبقى مختبئاً، بل يخرج ليعترف ويُشفى.
١٥. تطبيقات عملية
من هذه الإصحاحات الغنية، يمكننا أن نأخذ لأنفسنا تطبيقات عملية عديدة لحياتنا اليومية:
أولاً، حين نسمع صوت الله يسألنا "أين أنت؟" - في ضميرنا، أو في كلمة سمعناها، أو في وخزة داخلية بعد خطية - فلنتعلم ألا نختبئ كآدم، بل نخرج للقاء المحبة التي تنادينا، تماماً كما فعل الأخ التائب مع الأنبا لوط. فالاختباء يُطيل الألم، والاعتراف وحده يفتح باب الشفاء.
ثانياً، لنتعلم من فشل حواء في الحوار مع الحية ألا ندخل في "مباحثات" مع أفكار التجربة حين نكتشف فيها ولو ذرة من الكذب أو التشكيك في محبة الله ووصيته، بل نقطع الحوار من بدايته كما فعل ربنا يسوع في تجربته على الجبل، رادّاً على كل تجربة بكلمة الله دون أن يُحرّفها.
ثالثاً، كما تعلّمنا من قصة قايين، فلنحترس من الخطوة الأولى للخطية - الحسد أو الغيظ الصغير - قبل أن تصير "رابضة عند الباب"؛ فكل خطية نستسلم لها اليوم تفتح باباً لخطية أعظم منها غداً. ولنتذكر أيضاً أن هناك "ذبيحة خطية رابضة عند الباب" أيضاً، أي رحمة المسيح المتاحة لنا في كل حين، فلا نستسلم لليأس مهما سقطنا.
رابعاً، وكما تأملنا في تقدمتَي قايين وهابيل، فلنسأل أنفسنا: هل نُقدّم لله "أفخر ما عندنا" في وقتنا وصلاتنا وخدمتنا، أم نكتفي بفتات ما تبقّى بعد أن ننتهي من كل اهتماماتنا الأخرى؟ فالله لا ينظر إلى حجم التقدمة بل إلى القلب الذي يقدّمها.
خامساً، لنحرص ألا نُلقي بتبعة خطايانا على الآخرين - كما فعل آدم حين اتّهم حواء، بل نتعلّم أن نعترف بضعفنا بصراحة أمام الله، واثقين أن اعترافنا لا يُدينا بل يفتح لنا باب المصالحة، كما فتحه الله لآدم بسؤاله الحنون.
سادساً، كما تأملنا في أسماء نسل شيث - عوض، ضعف، اقتناء بالله، استنارة، تواضع، تعليم، جهاد - فلنجعل من حياتنا نحن أيضاً "سجلّ مواليد روحياً" يشهد لأولادنا ولمن بعدنا أننا "سرنا مع الله"، كأخنوخ، لا أننا اكتفينا ببناء "مدينة" أرضية زائلة كحنوك بن قايين.
سابعاً، ولنتذكر أن أعظم بركة يمكن أن نتركها لمن بعدنا ليست مالاً ولا شهرة ولا "أسلحة" كتوبال قايين، بل أن يُقال عنا، كما قيل عن أخنوخ: "سار مع الله".
١٦. أسئلة للمناقشة
١. ما الفرق الذي لاحظناه بين اسم "الله" واسم "الرب الإله" في الإصحاحين الأول والثاني؟ وكيف يُغيّر هذا فهمنا للطريقة التي يتعامل بها الله معنا شخصياً؟
٢. كيف استخدمت الحية "جزء صدق وسط جزء خداع" لتُسقط حواء؟ وهل تستطيع أن تتذكر موقفاً شعرت فيه أن تجربة ما بدأت بنصف حقيقة قبل أن تتحول إلى خداع كامل؟
٣. تأملنا في سؤال الله "أين أنت؟" بوصفه دعوة للاعتراف لا استجواباً. هل يوجد في حياتك الآن موضع تشعر أنك مختبئ فيه عن الله، وتحتاج أن تسمع هذا السؤال بمحبة؟
٤. لماذا قُبل قربان هابيل ولم يُقبل قربان قايين؟ وما الذي يعنيه هذا بالنسبة لكيفية تقديمنا نحن اليوم لله - في الصلاة، والصوم، والخدمة، والعشور؟
٥. ما رأيك في المبادئ الأربعة التي استخلصناها من حوار الله مع آدم (المبادرة، والإنصات، وعتاب المحبة، وتقدير احتياج الآخر)؟ أي منها تجد أنك في أمسّ الحاجة إلى ممارسته في علاقاتك الأسرية أو الكنسية؟
٦. تأملنا في العديد من الرموز المسيحانية في هذه الإصحاحات: شجرة الحياة، ونسل المرأة الذي يسحق رأس الحية، وذبيحة الجلد، وهابيل البار. أي واحد من هذه الرموز لمس قلبك أكثر اليوم، ولماذا؟
٧. أخنوخ "سار مع الله" وسط جيل كامل ابتعد عنه. ما الذي يعنيه لك أن "تسير مع الله" في بيئة عملك أو دراستك أو محيطك الاجتماعي هذا الأسبوع تحديداً؟
١٧. تمرين روحي أسبوعي
خلال هذا الأسبوع، أدعوك أن تجرّب الآتي:
أولاً، كل يوم، قبل أن تبدأ صلاتك، اسأل نفسك بصدق سؤال الله "أين أنت؟" - أين أنت من الله اليوم، وأين أنت من إخوتك؟ - ودع هذا السؤال يقودك لصلاة اعتراف صادقة قبل أن تطلب أي شيء آخر.
ثانياً، حين تشعر بحسد أو غيظ تجاه أحد هذا الأسبوع، تذكّر عبارة "عند الباب خطية رابضة"، وتوقف فوراً لتُصلّي بدل أن تسمح للفكرة أن تنمو؛ واطلب من الرب أن يمنحك "سيادة" عليها كما وعد قايين.
ثالثاً، اختر يوماً واحداً هذا الأسبوع تُقدّم فيه لله "أبكار غنمك" لا فُتات وقتك: خصّص أول وأفضل وقت في يومك - لا آخره وأتعبه - للصلاة وقراءة الكلمة.
رابعاً، في نهاية الأسبوع، اقرأ الإصحاحات من الثاني إلى الخامس مرة أخرى ببطء وهدوء، ودوّن اسماً واحداً من أسماء نسل شيث لمسك معناه، لتُحضره معك إلى جلستنا القادمة عن الطوفان وسفينة نوح.
١٨. صلاة ختامية
أيها الرب الإله، يا من جبلتَ آدم من التراب ونفختَ فيه نسمة حياة، ويا من أتيتَ في ملء الزمان تطلب الإنسان الهارب قائلاً "أين أنت"؛ نشكرك على هذه الساعة التي جمعتنا فيها حول كلمتك المقدسة، وعلى كل ما رأيناه اليوم من محبتك التي لم تتوقف حتى حين سقطنا.
يا من وعدتَ منذ الفردوس أن نسل المرأة يسحق رأس الحية، ثبّت هذا الوعد في قلوبنا رجاءً حياً، واسحق أنت بنفسك كل خطية تربض عند باب حياتنا. ويا من سترتَ عري أبوينا الأولين بذبيحة بريئة، استرنا نحن أيضاً بذبيحتك الحقيقية على الصليب، ولا تدع عرينا الروحي يظهر أمامك يوماً بلا رداء برّك.
يا مَن قَبِلتَ ذبيحة هابيل البار، اقبل أنت اليوم كل ما نقدّمه لك من صلاة وصوم وعمل، ولا تنظر إلى قلة ما نقدّمه بل إلى القلب الذي يقدّمه. ويا من منحتَ أخنوخ نعمة أن يسير معك وسط جيل غريب عنك، امنحنا نحن أيضاً أن نسير معك وسط عالمنا هذا، غير مستسلمين لروح الجيل بل متمسكين بروحك القدوس.
احفظ كل من حضر هذه الجلسة، وبارك بيوته وأعماله وأسرته، وامنحه نعمة أن يحمل معه كلمتك هذا الأسبوع، عاملاً بها لا سامعاً فقط. ولك المجد والكرامة والسجود، مع أبيك الصالح والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. بشفاعة والدة الإله القديسة العذراء مريم، وصلوات القديسين مار بطرس ومار أندراوس. آمين.
١٩. المراجع المستخدمة
الكتاب المقدس، سفر التكوين ٢: ١ - ٥: ٣٢ (ترجمة فان دايك).
تفسير سفر التكوين، القمص أنطونيوس فكري (شرح الإصحاحات من الثاني إلى الخامس، ص ١٥٥-١٩٢ تقريباً بحسب ترقيم النسخة المستخدمة؛ الاستشهادات الموضعية مذكورة برقم الصفحة عند كل نقطة).
تفسير سفر التكوين، القمص تادرس يعقوب ملطي (شرح الإصحاحات الثاني والثالث والرابع والخامس) - النسخة المستخدمة ملف إلكتروني مجمّع يضم أكثر من طبعة لتفسير الأب ملطي لسفر التكوين، بترقيم صفحات غير متصل عبر الملف كله؛ لذلك ذُكر رقم الصفحة عند توفره بثقة (كما في شرح الإصحاح الخامس، ص ١٥٧-١٦١)، واكتُفي بذكر اسم الإصحاح والعنوان الفرعي للمصدر دون رقم صفحة في شرح الإصحاحات الثاني والثالث والرابع، حيث لم يتوفر تأكد من رقم الصفحة المتصل. جميع الاقتباسات منه في هذه المخطوطة أُخذت من قراءة مباشرة للنص العربي نفسه (لا عبر تلخيص وسيط)، مع ملاحظة أن بعض ما ينقله ملطي هو بدوره ترجمة عربية لأقوال آباء يونانيين ولاتين (أوغسطينوس، أمبروسيوس، إكليمنضس الإسكندري، ذهبي الفم، جيروم)، لم تُراجَع على نصوصها الأصلية.
من هو الله؟ (من خلال دراسة في الثلاثة إصحاحات الأولى من سفر التكوين)، الراهب القس صليب الصموئيلي (الجزء الخاص بالإصحاحين الثاني والثالث) - لا تحمل صفحات هذا الملف ترقيماً ظاهراً، فاكتُفي بذكر اسم المصدر عند الاستخدام دون رقم صفحة، حسب قاعدة الاستشهاد.
عظات القديس يوحنا ذهبي الفم على سفر التكوين (Homilies on Genesis)، الترجمة الإنجليزية لروبرت هيل (سلسلة Fathers of the Church، مجلدا ٧٤ و٨٢): العظة ١٢-١٣ (عن جبلة آدم وغرس الجنة)، العظة ١٥ (عن خلقة حواء)، العظة ١٦ (عن سقوط الإنسان)، والعظة ١٨ (عن قربان قايين وهابيل) - نُقلت مضامينها إلى العربية في هذه المخطوطة، ولم تُراجع الترجمة الإنجليزية المستخدمة على النص اليوناني الأصلي.
القديس أثناسيوس الرسولي، "تجسد الكلمة" (On the Incarnation)، الفصول الثالث والرابع تقريباً (عن نتيجة معصية الوصية وسبب مجيء الكلمة) - يُشار إليها برقم الفصل التقريبي لعدم توفر ترقيم صفحات موثوق في النسخة المستخدمة.
القديس إيرينيؤس أسقف ليون، "في التبشير الرسولي" (On the Apostolic Preaching)، الفقرات ١٤ و١٧ (عن براءة آدم وحواء والسقوط)، والفقرات ٣٢-٣٤ (عن التوازي بين حواء ومريم، وبين شجرة الفردوس وخشبة الصليب).
أقوال الآباء الروحيين (The Sayings of the Holy Desert Fathers)، القول رقم ٣٩٧ (عن الأخ الذي اعترف بخطيته للأنبا لوط).
ملاحظة عامة حول الاستشهادات: كل الاقتباسات المباشرة الواردة في هذه المخطوطة مأخوذة من النصوص المذكورة أعلاه بقدر ما تحقق منه المُعِدّ عبر قراءة الصفحات الفعلية للمصادر؛ وحيثما لم يتوفر تأكد تام من الصياغة الحرفية العربية للمصدر الأصلي (كما في حالة الترجمة من الإنجليزية)، استُخدمت عبارة "بحسب مضمون المصدر" للدلالة على أن ما ورد هو تلخيص أمين لمعنى النص لا اقتباس حرفي منه.































ما نراه في النص، وكيف يكتمل في المسيح.
للمناقشة والتأمل
- لو سمعت اليوم سؤال الله «أين أنت؟»، فما الجواب الصادق؟
- ما الخطوة العملية التي أستطيع أن أخطوها هذا الأسبوع نحو «أخ» يحتاج إليّ؟
تطبيق الأسبوع
- الكتاب المقدس، تكوين ٢: ١ - ٥: ٣٢ (فان دايك)
- القمص تادرس يعقوب ملطي، تفسير سفر التكوين
- القمص أنطونيوس فكري، تفسير سفر التكوين
- القديس أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة
- القديس يوحنا ذهبي الفم، عظات على سفر التكوين