إبرام: الخيمة والمذبح
بعد أن رأينا في بابل إنساناً يريد أن يصنع لنفسه اسماً، يدعو الله رجلاً واحداً ويقول له: «اذهب… وأعظّم اسمك». ثلاثة إصحاحات في قصة أبرام تعلّمنا ثلاثة أفعال: يترك أرضه وعشيرته وبيت أبيه ويخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي؛ ويتنازل للوط عن حق الاختيار فيعطيه الله الأرض كلها؛ ويرفض غنائم ملك سدوم لئلا يقال: أنا أغنيت أبرام.
وفي الثلاثة علامتان: الخيمة والمذبح، أي غربة عن العالم ومحبة لله. وفي لحظة الضعف في مصر يحفظ الله سارة ويردّ أبرام إلى المذبح. وفي وسط الإصحاح الرابع عشر يخرج ملكي صادق، الملك الكاهن، بالخبز والخمر ويبارك، فيرسم للمسيح أوضح صورة في هذه الإصحاحات.
ونخرج بثلاثة أسئلة: ماذا يطلب الله أن أتركه؟ ماذا أتنازل عنه من أجل السلام؟ ماذا أرفض؟ وفوقها: أين خيمتي وأين مذبحي؟
١. صلاة الافتتاح
أيها الرب الإله، يا من ناديت أبانا إبراهيم وهو في وسط أرضٍ تعبد الأوثان، وقلت له: «اذهب»، فأطاع وخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي؛ نأتي إليك الآن طالبين أن تنادينا نحن أيضاً باسمنا، وأن تفتح آذان قلوبنا لنسمع صوتك.
يا من علّمت إبراهيم أن يبني مذبحاً في كل موضع، ويا من حفظت سارة في بيت فرعون حين عجز الجميع، ويا من أرسلت ملكي صادق بالخبز والخمر ليبارك الخارج من المعركة؛ ثبّتنا في غربتنا على هذه الأرض، وعلّمنا أن نترك لنربح، وأن نتنازل لنرث، وأن نرفض ما لا يأتي منك.
بارك هذا الاجتماع وكل من حضر ليسمع كلمتك، بشفاعة والدة الإله القديسة العذراء مريم، وصلوات القديسين مار بطرس ومار أندراوس. آمين.
٢. مراجعة سريعة: ماذا رأينا في الجلسة الماضية؟
في جلستنا الماضية وقفنا عند الإصحاحين العاشر والحادي عشر. رأينا الأمم تتفرّع من أبناء نوح، ثم رأينا الناس في سهل شنعار يقولون: «هلم نبنِ لأنفسنا مدينة وبرجاً... ونصنع لأنفسنا اسماً» (تك ١١: ٤). وكان السؤال الذي رافقنا: من الذي يصنع الاسم؟ الله أم الإنسان؟
ثم رأينا الله ينزل ويبلبل، وانتهينا بقائمة مواليد سام، وبأسرة تارح: تارح وأبرام ولوط وساراي، وقد «خرجوا معاً من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان، فأتوا إلى حاران وأقاموا هناك» (تك ١١: ٣١). وتوقف تارح هناك، ومات في حاران. وتركنا الجلسة الماضية عند سؤال مفتوح: ماذا سيفعل أبرام وقد بقي وحده؟
اليوم نجد الجواب. فالله الذي رفض اسماً صنعته أيدي الناس في بابل، يأتي الآن ليعطي اسماً لرجل واحد: «وأعظّم اسمك» (تك ١٢: ٢). بابل تصعد من الأرض إلى السماء وتفشل، وها هي دعوة تنزل من السماء إلى الأرض وتنجح.
٣. مقدمة: ثلاثة أفعال في ثلاثة إصحاحات
نقرأ اليوم ثلاثة إصحاحات: الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر من سفر التكوين. وهي معاً قصة أبرام في سنواته الأولى في أرض كنعان. وإن تأملناها رأينا فيها ثلاثة أفعال، يتكرر كل منها في حياتنا:
بين هذه الأفعال الثلاثة يقف في وسط الإصحاح الرابع عشر شخص غامض هو ملكي صادق، يخرج بالخبز والخمر ويبارك. وهو، كما سنرى، أوضح صورة للمسيح في هذه الإصحاحات.
وفي الثلاثة نلاحظ علامتين تتكرران في حياة أبرام، يلخصهما مفسرو كنيسة مارمرقس بمصر الجديدة بقولهم إن العلامتين الواضحتين في حياته طوال عمره هما الخيمة والمذبح، أي غربة عن العالم ومحبة لله (تفسير كنيسة مارمرقس، تك ١٢: ٩، بحسب مضمون المصدر). الخيمة تقول: لست من هذا العالم. والمذبح يقول: أنا لله. وبين الخيمة والمذبح تدور قصتنا اليوم.
٤. الدعوة: «اذهب من أرضك» (تك ١٢: ١-٥)
(أ) من أين خرج أبرام؟
أول سؤال يواجهنا: متى سمع أبرام هذا الصوت؟ سفر التكوين يضع الدعوة بعد موت تارح في حاران. لكن القديس استفانوس، أول الشهداء، يقول أمام اليهود: «ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم وهو في ما بين النهرين، قبلما سكن في حاران، وقال له: اخرج من أرضك ومن عشيرتك وهلم إلى الأرض التي أريك» (أع ٧: ٢-٣). إذن الله دعا أبرام في أور الكلدانيين، ثم كرر الدعوة في حاران. هذا ما يشرحه القمص تادرس ملطي وكذلك القمص أنطونيوس فكري (تفسير تك ١٢).
ولماذا تكررت الدعوة؟ يقول مفسرو كنيسة مارمرقس إن تارح، أبا أبرام، عطّله في حاران مدة طويلة نحو أربع عشرة سنة، فالتمس الله العذر لأبرام الذي خجل من معارضة أبيه، ثم جدد الدعوة (تفسير كنيسة مارمرقس، تك ١٢: ١، بحسب مضمون المصدر). وهذا يعلمنا شيئين: أن الله صبور، فلا يسحب دعوته عند أول تأخير؛ وأن أقرب الناس إلينا قد يكونون هم من يعطّلون استجابتنا. وكما يقول القمص أنطونيوس فكري: ليتنا لا نكون مثل تارح، نخرج من أور ولا نكمل الطريق إلى كنعان السماوية، وليتنا لا يكون لنا «تارح» يعطلنا عن المسير (تفسير تك ١٢: ٤-٥، بحسب مضمون المصدر).
ومن أين خرج؟ من أور الكلدانيين، من حضارة بابل. ويقدم الأنبا بيشوي في كتابه «إبراهيم أب الآباء» مقارنة جميلة، ذكّرتنا بما رأيناه في الجلسة الماضية: بابل مدينة يريد أهلها أن يضعوا رأسها في السماء، وأورشليم الجديدة مدينة تنزل من السماء. «ما الفرق بين الاثنين؟» يسأل الأنبا بيشوي، ثم يجيب بمعنى أن الإنسان المتكبر يحاول أن يضع رأسه برأس الله، أما الإنسان المتواضع فيأتي الله بنفسه إليه (إبراهيم أب الآباء، ص ١٣-١٥ بحسب الترقيم المطبوع، بحسب مضمون المصدر). ويربط ذلك بالتجسد: «والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا» (يو ١: ١٤).
وهنا نتذكر إشعياء النبي: «انظروا إلى الصخر الذي منه قطعتم، وإلى نقرة الجب التي منها حفرتم. انظروا إلى إبراهيم أبيكم وإلى سارة التي ولدتكم، لأني دعوته وهو واحد وباركته وأكثرته» (إش ٥١: ١-٢). لاحظوا كلمة «وهو واحد». ويعلّق القمص تادرس ملطي بأن الله لم يتجاهل إنساناً واحداً أميناً وسط مدينة بأكملها، بل وسط العالم كله في ذلك الحين (تفسير تك ١٢). وقد أعجبتني عبارة ف. ب. ماير، هو أحد المعلقين الإنجيليين الذين استعنا بكتابهم كخلفية: يرى أن الوحدة علامة على الطريق، فمن يمشي طريق الله قد يبدو وحيداً، ولكن كل السماء ترقب جهاده بعين العطف (ماير، إبراهيم، ص ١٠-١٣، بحسب مضمون المصدر).
(ب) ثلاث دوائر يتركها أبرام
«اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك». هذه ثلاث دوائر، من الأوسع إلى الأضيق: الأرض (البلد كله)، ثم العشيرة (القبيلة)، ثم بيت الأب (الأسرة). ويعلق القمص أنطونيوس فكري: «من يعتزل يعتزل كل شيء» (تفسير تك ١٢: ١، بحسب مضمون المصدر). وليس المطلوب فقط أن يغيّر أبرام عنوانه، بل أن يقطع ثلاث دوائر من الأمان.
وقد تأمل الآباء في هذه الدوائر الثلاث. فينقل القمص تادرس ملطي عن الأب بفنوتيوس قوله إن «أرضك» تعني محبة ممتلكات العالم وغناه، و«عشيرتك» هي الحياة السابقة بعاداتها وخطاياها التي تعلقت بنا كأنها رباط صداقة وقربى، و«بيت أبيك» هو كل ما في العالم وتراه العين، ليحل محله بيت الآب السماوي (تفسير تك ١٢، بحسب نقل القمص تادرس ملطي عن الأب بفنوتيوس). ويرى الأب قيصريوس أسقف آرل، بحسب النقل نفسه، أن هذه الدعوة تتحقق فينا في مياه المعمودية، حيث ينزع الروح القدس عن «أرضنا» خطاياها، ويبيد عاداتها الشريرة.
وهناك درجة رابعة نغفلها كثيراً: أن الدعوة لم تحدد المكان. «إلى الأرض التي أريك». لم يعطِ الله أبرام عنواناً ولا خريطة. وهذا هو الإيمان كما يصفه كاتب الرسالة إلى العبرانيين: «بالإيمان إبراهيم لما دُعي أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيداً أن يأخذه ميراثاً، فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي» (عب ١١: ٨). ويقول القمص أنطونيوس فكري: «الإيمان لا يخدع، لكن حواسنا تخدعنا» (تفسير تك ١٢: ١، بحسب مضمون المصدر). وكان القديس جيروم يرى أن أبرام لم يحسبه سهلاً أن يحتفظ بأرضه وبربه في وقت واحد (بحسب نقل القمص تادرس ملطي).
(ج) سبعة وعود: من «ونصنع لأنفسنا اسماً» إلى «وأعظّم اسمك»
مع الأمر وعد. ولاحظوا كيف يعطي الله أبرام أكثر مما طلب منه أن يترك. فقد طلب منه أن يترك ثلاثاً، ووعده بسبعة:
وفي هذا الوعد الأخير نقف لحظة. يقول القديس بولس: «والكتاب، إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم، سبق فبشّر إبراهيم أن فيك تتبارك جميع الأمم» (غل ٣: ٨). ويقول أيضاً: «وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول: وفي الأنسال، كأنه عن كثيرين، بل كأنه عن واحد: وفي نسلك الذي هو المسيح» (غل ٣: ١٦). فالبركة التي تصل إلى كل قبائل الأرض، ومنها شعبنا القبطي، تصل بالمسيح الآتي من نسل أبرام. وهو ما يقوله القمص أنطونيوس فكري: هذا هو وعد الخلاص، وأن المسيح يأتي من نسله (تفسير تك ١٢: ٣، بحسب مضمون المصدر).
ويذكر القديس أغسطينوس، بحسب نقل القمص تادرس ملطي، أن إبراهيم نال وعدين: الأول جسدي، أن نسله يرث أرض كنعان، والثاني روحي أعظم، أن يصير أباً لا للأمة الإسرائيلية وحدها، بل لكل الأمم التي تقتفي أثر إيمانه.
وهنا نلاحظ شيئاً مهماً. الله لا يقول لأبرام: اترك واربح، كأنها صفقة. الله يدعو أولاً، ثم يعد. الدعوة هي المبادرة، والوعد هو الحنان. وكما يقول القمص أنطونيوس فكري: الله لا يقبل أن يكون مديوناً لإنسان بل يعطي بسخاء ولا يعيّر (تفسير تك ١٢: ٢-٣، بحسب مضمون المصدر؛ قارن يع ١: ٥).
(د) «فذهب أبرام كما قال له الرب»
الآية الرابعة قصيرة وعظيمة: «فذهب أبرام كما قال له الرب». لا نجد اعتراضاً ولا مساومة ولا سؤالاً عن الضمانات. ولاحظوا عمره: خمس وسبعون سنة. نحن نتحدث عن رجل في سن لا يسهل فيها الاقتلاع. وللقديس أمبروسيوس عبارة جميلة نقلها القمص تادرس ملطي: إن إبراهيم أخضع العاطفة للمنطق، وقرر بكل تروٍ أن يجتاز الصعوبات دون أن يختلق لنفسه أعذاراً.
ويقول القمص تادرس ملطي إن هذا الخروج يعبّر عن إيمان بأن الله قادر أن يخرج حياة من الموت. وهذا هو الإيمان الذي سيحتاجه أبرام بعد قليل، حين يتعلق الأمر بساراي العاقر وإسحق الذي سيولد، وهو الإيمان الذي وصفه بولس: «وإذ لم يكن ضعيفاً في الإيمان لم يعتبر جسده وهو قد صار مماتاً إذ كان ابن نحو مئة سنة، ولا مماتية مستودع سارة» (رو ٤: ١٩).
ويقول الأنبا بيشوي إن خروج إبراهيم هو مثال لكل نفس تريد أن تدخل مع الله إلى حياة أبدية، وإن حياته مدرسة في الإيمان بمراحله (إبراهيم أب الآباء، المقدمة، بحسب مضمون المصدر). وكان القديس غريغوريوس النيصي يرى، بحسب نقل القمص تادرس ملطي، أن البركات التي استحق إبراهيم أن ينالها لا تتناسب مع هجرة عادية من موضع إلى موضع، فخروجه هو رحلة نحو معرفة الله نفسها.
٥. الخيمة والمذبح (تك ١٢: ٦-٩)
(أ) شكيم: أول محطة
يصل أبرام إلى شكيم، وهي نابلس الحالية بحسب مفسري كنيسة مارمرقس، وإلى «بلوطة مورة»، و«مورة» تعني المعلّم، وربما كان معلم يجلس هناك. وهو أول موضع يبلغه في أرض كنعان. ثم تأتي جملة صغيرة تحمل ثقلاً: «وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض».
الأرض الموعودة لم تكن خالية. كان فيها شعب آخر، له آلهته وحضارته وعاداته. ويقول المفسرون عبارات مختلفة: يرى القمص أنطونيوس فكري أن الجملة قد تكون كتبها موسى ليقول إن الأرض الموعودة ما زالت بيد الكنعانيين على رجاء حصول شعب الله عليها، ويرى فيها معنى روحياً: أن الذي يرجع إلى الكنيسة لا تنتهي عنده مقاومة إبليس (تفسير تك ١٢: ٦، بحسب مضمون المصدر). ويقول الأنبا بيشوي، بحسب مضمون كلامه، إن الله قال لأبرام: لا تخف من الكنعانيين وما عندهم من عظمة وتشامخ، فهذه الأرض سوف تتقدس وتتخصص لعبادتي (إبراهيم أب الآباء، بحسب مضمون المصدر).
(ب) «وظهر الرب لأبرام»... «فبنى هناك مذبحاً»
هنا نقف عند أهم عبارة في هذا المقطع: «وظهر الرب لأبرام وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض. فبنى هناك مذبحاً للرب الذي ظهر له» (تك ١٢: ٧). ويرى القمص أنطونيوس فكري أن هذا الظهور هو أحد ظهورات المسيح قبل التجسد، وأن أبرام أقام مذبحاً فتقدس الموضع (تفسير تك ١٢: ٧، بحسب مضمون المصدر).
ما أول شيء يفعله أبرام بعد أن يسمع الوعد؟ لا يبني بيتاً، ولا يسور حقلاً، بل يبني مذبحاً. ويسأل الأنبا بيشوي: لماذا المذبح والذبيحة؟ ألا يكفي التعبير بكلمات الشكر؟ ويجيب بأنه لا توجد عبادة مقبولة أمام الله إلا من خلال الذبيحة، وأن المذبح كان الرباط الذي يربط الإنسان بالله، وأن سر ذلك هو وعد الخلاص بتقديم ذبيحة السيد المسيح على الصليب (إبراهيم أب الآباء، ص ١٩-٢١ بحسب الترقيم المطبوع، بحسب مضمون المصدر). فنحن حين نقف أمام مذبح أبرام نرى من بعيد مذبحاً آخر.
(ج) بيت إيل وعاي: خيمة بين موضعين
«ثم نقل من هناك إلى الجبل شرقي بيت إيل ونصب خيمته». ونلاحظ ثلاثة أشياء في هذه الآية: خيمة، ومذبح، ودعاء. يقول مفسرو كنيسة مارمرقس: في كل مكان يذهب إليه ينصب خيمته ويقيم مذبحاً، فهاتان هما العلامتان الواضحتان في حياة أبرام طوال عمره: الخيمة والمذبح، أي غربة العالم ومحبة الله (تفسير كنيسة مارمرقس، تك ١٢: ٩، بحسب مضمون المصدر). والخيمة تُنصب وتُرفع في يوم، أما المذبح فيبقى. ويقول الأنبا بيشوي إن المذبح كان يظل بعد رحيله علامة قائمة وتذكاراً أبدياً، فكل من يأتي إلى المكان يعرف أن الرب ظهر لإبراهيم فيه (إبراهيم أب الآباء، بحسب مضمون المصدر).
وأضيف هنا تأملاً لنا، لا نسبه لأحد من الآباء: بيت إيل تعني «بيت الله»، وعاي تعني «كومة خراب» (تفسير كنيسة مارمرقس، تك ١٢: ٨)، وقد نصب أبرام خيمته بينهما، بيت الله في جهة وكومة الخراب في الجهة الأخرى. وهكذا نعيش نحن: بين ما يبنيه الله وما يخربه العالم. وفي كل الأحوال، يبني أبرام مذبحاً.
وفي الآية التي تليها نقرأ: «ثم ارتحل أبرام ارتحالاً متوالياً نحو الجنوب» (تك ١٢: ٩). ويقول القمص أنطونيوس فكري: نحن في غربتنا في هذا العالم علينا أن نكون في ارتحال متوالٍ ناحية كنعان السماوية، لا تعوقنا أتعاب العالم ولا مغرياته (تفسير تك ١٢: ٩، بحسب مضمون المصدر).
٦. مصر: حين يشتد الجوع (تك ١٢: ١٠-٢٠)
(أ) أول اختبار بعد المذبح
بعد المذبح والخيمة والوعد، يأتي الجوع. وهذا يعلّمنا أن الدعوة لا تعني أن الطريق بلا ضيق. ويقول القمص أنطونيوس فكري إن هذه أول مجاعة تُذكر في الكتاب المقدس (تفسير تك ١٢: ١٠، بحسب مضمون المصدر).
وهنا يقول الكتاب: «فانحدر أبرام إلى مصر ليتغرب هناك». لاحظوا الكلمة: انحدر. ولم يقل الكتاب إن الرب أمره، ولا إنه سأل الرب. ويقول البابا شنوده الثالث إن أبرام أخطأ هنا خطأين: الأول أنه خاف من الجوع ولم يؤمن أن الله يمكن أن يرعاه في الأرض التي أراه إياها، والثاني أنه اعتمد على الذراع البشري ولجأ إلى مصر (إبراهيم أبو الآباء، ص ٢١ بحسب ترقيم ملف PDF، بحسب مضمون المصدر). ويذكّرنا بإيليا الذي عالته الغربان في الجفاف (١مل ١٧)، وبالشعب الذي عاله الله في برية سيناء. وهو الدرس الذي سيكتبه إشعياء بعد قرون: «ويل للنازلين إلى مصر للمعونة» (إش ٣١: ١).
ويقارن القمص تادرس ملطي والقمص أنطونيوس فكري بين نزول إبراهيم ونزول حفيده يعقوب. فأبرام نزل بلا إرشاد من الله، أما يعقوب فقال له الله: «لا تخف من النزول إلى مصر... أنا أنزل معك إلى مصر» (تك ٤٦: ٣-٤).
ويلاحظ القمص أنطونيوس فكري ملاحظة صغيرة مؤثرة: «ولم يكن في مصر مذبح بناه إبرام» (تفسير تك ١٢: ١٠، بحسب مضمون المصدر). في كل محطة قبل مصر كان هناك مذبح، وفي مصر لا نقرأ عن مذبح. ويضيف: مشكلتنا أننا نبحث عن الراحة الخارجية وليس عن السلام الداخلي الذي يتحقق باللقاء مع الرب عند المذبح.
وقبل أن نتابع، أنقل لكم ملاحظة للعلامة أوريجانوس نقلها القمص تادرس ملطي، تعطي الصورة الأخرى: إن المجاعة لم تشتد على إبراهيم ولا على يعقوب وأولاده، إنما اشتدت «على الأرض»، أي على الأرضيين. ويستشهد بقول المزمور: «كنت فتى وقد شخت ولم أر صدّيقاً تُخلّي عنه، ولا ذرية له تلتمس خبزاً» (مز ٣٧: ٢٥).
(ب) الخطة: «قولي إنك أختي»
هنا نصل إلى أصعب لحظة في الإصحاح. أبرام يخاف أن يقتله المصريون من أجل جمال زوجته، فيطلب من ساراي أن تقول إنها أخته. ولننتبه إلى أن ساراي بالفعل هي أخته من الأب وليست شقيقته من الأم (تك ٢٠: ١٢)، فهو لم يقل كلاماً كاذباً حرفياً. ولكنه أخفى جزءاً من الحقيقة، وهو أنها زوجته. ويصف القمص أنطونيوس فكري ذلك بأنه كذب وخداع وضعف إيمان، وأن الخطية تأتي وراءها بخطايا أخرى (تفسير تك ١٢: ١١-١٣، بحسب مضمون المصدر).
ويحلل البابا شنوده الثالث سلسلة الخطايا بوضوح: الذهاب إلى مكان ليس فيه خوف الله يؤدي إلى الخوف من الموت، والخوف يؤدي إلى التحايل البشري، والتحايل يؤدي إلى الكذب، والكذب إلى العثرة، والعثرة إلى التضحية بالزوجة من أجل حرصك على استبقائك (إبراهيم أبو الآباء، ص ٢٦ بحسب ترقيم ملف PDF، بحسب مضمون المصدر). ويقول إن أبرام استخدم أسلوب «أنصاف الحقائق» التي يُفهم منها الكذب، وأن المهم ليس حرفية الكلمات بل ما يفهمه السامع، وأن هذا سبّب عثرة لفرعون (ص ٢٣-٢٤ بحسب مضمون المصدر).
ولكن الأب يتكلم بمحبة وتوقير. فهو يقدم الحديث عن هذه الضعفات بقوله إن هذا القديس العظيم لا نستحق تراب قدميه، وإن الكتاب قدم لنا حياة القديسين على هذا النحو: لا كبشر معصومين من الخطأ، بل كبشر مثلنا ارتفعت بهم النعمة إلى مستوى عالٍ، ويذكر إيليا وبطرس وداود مثالاً (ص ٢٠، بحسب مضمون المصدر). وهذه نقطة تربوية مهمة لنا: الكتاب لا يخفي ضعف أبطاله.
وفي المقابل، يشير مفسرو كنيسة مارمرقس إلى أن الخوف لم يكن من أجل نفسه فقط، بل يرون فيه أنانية، وتنازلاً عن الشهامة (تفسير كنيسة مارمرقس، تك ١٢: ١١-١٣، بحسب مضمون المصدر). والقمص تادرس ملطي أكثر رفقاً، فيرى في الأحداث تعليماً عن رحمة الله وحفظه لسارة أكثر من الحكم على أبرام.
(ج) الله يتدخل
ينتقل المشهد من فم أبرام إلى قصر فرعون. أخذت سارة إلى بيت فرعون، وصنع إلى أبرام خيراً بسببها. ولنتخيل ما يدور في قلب أبرام وهو يرى الغنم والبقر والعبيد تأتيه ثمناً لزوجته. وهنا يتوقف القديس يوحنا الذهبي الفم في عظاته على سفر التكوين، ويتساءل بحسب مضمون كلامه: كم من النار أشعلت هذه العطايا في ذهن أبرام وهو يتأمل دافعها؟ ثم ينبهنا إلى طول أناة الله: فالله لم يُظهر عنايته في أول الأمر، بل سمح للأمور أن تبلغ أقصاها، حتى بدت المرأة وكأنها وقعت في فم الوحش، ثم أظهر قوته أمام الجميع (العظة ٣٢، الفقرتان ١٨-١٩، ص ٢٦٨-٢٦٩ بحسب ترقيم الكتاب المطبوع، بحسب مضمون المصدر).
ثم يتدخل الله: «فضرب الرب فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراي امرأة أبرام». ولا يوبخ الله أبرام بكلمة. ويلاحظ القمص أنطونيوس فكري: أن الله في محبته لا يحاسب الإنسان حسب ضعفاته. وأن ما عجز أبرام عن إعلانه أعلنه الله لفرعون. وفي ختام المشهد يقول فرعون: «ما هذا الذي صنعت بي؟». وهو توبيخ مؤلم، لأن مَلكاً وثنياً يوبخ خليل الله، وقد شبّه القمص أنطونيوس فكري ذلك بتوبيخ البحارة ليونان النبي. ويصف البابا شنوده ذلك بأنه أمر مخجل حقاً: أن يوبخ رجل أممي ليس من شعب الله نبيَّ الله العظيم (ص ٢٤ بحسب ترقيم ملف PDF، بحسب مضمون المصدر).
ويتأمل الذهبي الفم في حال سارة: بأي اضطراب كان عقلها في ذلك الوقت؟ وكيف بقيت كصخرة ثابتة تنتظر النعمة من العلاء؟ ويعبّر عن دهشته من أنها خرجت من عند ذلك الملك سالمة بعفتها، ويختم بأن هذه هي عناية الله دائماً: كلما يئس الناس، أظهر هو قدرته التي لا تُقهر (العظة ٣٢، الفقرتان ٢٠-٢٢، ص ٢٦٩-٢٧١ بحسب ترقيم الكتاب المطبوع، بحسب مضمون المصدر).
ويلاحظ البابا شنوده الثالث بلطف أن الله، في حنوه العارف بضعف طبيعتنا، لم يوجه إلى أبرام لوماً، بل قال لأبيمالك فيما بعد عن إبراهيم: «فإنه نبي، فيصلي لأجلك فتحيا» (تك ٢٠: ٧)، وأن الله قام عوضاً عنه بحماية سارة مادام لم يستطع هو أن يحميها (ص ٢٧، بحسب مضمون المصدر).
(د) مصر في قصة الخلاص
ويرى القمص أنطونيوس فكري في الأحداث ثلاثة أوجه شبه بين ما حدث لإبراهيم وما حدث لنسله بعد ذلك: ذهب الاثنان إلى مصر بسبب المجاعة، وضرب الله فرعون وبيته في الحالتين، وعاد الاثنان محمّلين بالعطايا (تفسير تك ١٢: ١٠-٢٠، بحسب مضمون المصدر). فكأن ما حدث لإبراهيم في مصر نبوءة صغيرة لما سيحدث لبني إسرائيل في سفر الخروج.
وهنا ندخل بلدنا. يقول القمص تادرس ملطي، بحسب مضمون كلامه، إن مصر تباركت باستقبالها إبرام أب الآباء ليعولها وقت المجاعة، ثم باستقبالها حفيده يعقوب وعائلته حيث انطلق شعب إسرائيل، وأعظم من الكل أن السيد المسيح نفسه لجأ إليها في طفولته ليباركها (مت ٢: ١٣)، محققاً ما تنبأ به إشعياء (إش ١٩). ويلاحظ أن كثيرين يرون في نزول إبراهيم خطأً، ومع ذلك تباركت مصر به (تفسير تك ١٢). وهذا يطمئننا: الله يستطيع أن يخرج من ضعف إنسان بركة لشعوب.
وهذه الكلمة تعنينا نحن أبناء الكنيسة القبطية. فأول دخول لآباء الإيمان إلى مصر كان في لحظة ضعف، ولكن الله حوّل الضعف إلى بركة، وبعد قرون جاء المسيح نفسه إليها. ولهذا نقف أمام صورة مصر في الكتاب بتواضع: فهي مرة أرض ضيافة، ومرة أرض تجربة، وفي كل مرة أرض زارها الله.
٧. الاختيار: أبرام ولوط (تك ١٣)
(أ) «فصعد أبرام من مصر»: الرجوع إلى المذبح
يبدأ الإصحاح الثالث عشر بكلمة «فصعد». ويقول القمص أنطونيوس فكري إن صعود إبراهيم من مصر يشير إلى قيام كل خاطئ من سقطته وعدم استسلامه (تفسير تك ١٣: ١، بحسب مضمون المصدر، قارن مي ٧: ٨). ولاحظوا إلى أين صعد: «إلى المكان الذي كانت خيمته فيه في البداءة... إلى مكان المذبح الذي عمله هناك أولاً».
هذا رجوع. لم يبدأ مشروعاً جديداً ولا مرافعة عن نفسه، بل رجع إلى المذبح. يقول القمص أنطونيوس فكري: الله أعاده إلى المكان الذي كان فيه في البداية، والله لا يستريح إلا بهذا (بحسب مضمون المصدر). ويذكر ثلاثة أسباب لعودته إلى بيت إيل: أنها تعيد له الذكريات الأولى الحلوة مع الله، وربما ليقدم الشكر على عودته مع سارة سالمين، وأنه عاد إلى مذبحه القديم. وينصحنا مفسرو كنيسة مارمرقس: «لا تبتعد عن المذبح والتناول من الأسرار المقدسة فهي حياتك» (تفسير تك ١٣: ٣-٤، بحسب مضمون المصدر).
وعن الذين يسقطون ويظنون أن الطريق انتهى، ينقل القمص تادرس ملطي كلمات القديس يوحنا الذهبي الفم لراهب سقط اسمه ثيؤدور، ثم تاب وصار فيما بعد أسقفاً، يقول فيها بمعناها إن الشيطان إن كانت له القدرة أن يطرحك أرضاً من العلو الشامخ، فالله أقدر بما لا يقاس أن يرفعك إلى ثقتك السابقة، بل يجعلك أسعد من ذي قبل، وإنه يحذره من اليأس (بحسب نقل القمص تادرس ملطي، تفسير تك ١٣). هذه هي رسالة المذبح لكل من سقط.
(ب) «ولم تحتملهما الأرض أن يسكنا معاً»
ثم يأتي الاختبار الثاني: ليس جوعاً، بل غنى. «وكان أبرام غنياً جداً في المواشي والفضة والذهب». ويقول القديس أغسطينوس، بحسب نقل القمص تادرس ملطي: لكي تعرف أن الغنى في ذاته لا يُلام، كان إبراهيم غنياً، وقد حمل في حضنه لعازر الفقير (لو ١٦: ٢٢). الغنى ليس خطية. الخطية في أن يملك المال القلب. ويعلق القمص أنطونيوس فكري: إن الغني لا تغلق السماء أمامهم ما داموا لا يتكلون على أموالهم (بحسب مضمون المصدر). وفي تأمل رمزي له، يرى أن «الذهب» يشير إلى الحياة السماوية و«الفضة» إلى كلمة الله، فيكون غنى أبرام الحقيقي في داخله، وهذا تأمل رمزي وليس تعليماً عقائدياً.
والغنى يولّد خصاماً: «ولم تحتملهما الأرض أن يسكنا معاً، إذ كانت أملاكهما كثيرة». ويقول البابا شنوده الثالث ملاحظة مدهشة: إن الأرض لم تحتمل اثنين أن يسكنا معاً في مواضع كثيرة من الكتاب المقدس: قايين وهابيل، ويعقوب وعيسو، ويوسف وإخوته، وداود وابنه أبشالوم، وشاول وداود (إبراهيم أبو الآباء، ص ٤١ بحسب ترقيم ملف PDF، بحسب مضمون المصدر). والأرض تتسع للجميع، ولكن القلب إذا ضاق لا تسعه الأرض.
وهناك ملاحظة أخرى: «وكان الكنعانيون والفرزيون حينئذ ساكنين في الأرض» (تك ١٣: ٧). أي أن الخصام بين رعاة المؤمنين حدث على مرأى من الوثنيين. ويسأل القمص أنطونيوس فكري: هل يصح أن نتخاصم مع إخوتنا فيشمت فينا الشياطين؟ (بحسب مضمون المصدر). والسؤال موجّه لكل منا: الخلافات في الأسرة وفي الكنيسة، من يراها؟
(ج) «لا تكن مخاصمة... لأننا نحن أخوان»
أبرام هو الأكبر وهو العم، وكان من حقه أن يختار أولاً. لكنه يقول للوط: «لا تكن مخاصمة بيني وبينك... لأننا نحن أخوان. أليست كل الأرض أمامك؟ اعتزل عني». ويلاحظ القمص أنطونيوس فكري أن الأصل أن يترك لوط لأبرام، الأكبر والأقوى إيماناً، أن يختار، لكن أبرام بأدب وتواضع وإنكار ذات طلب منه أن يختار (تفسير تك ١٣: ٦-١٣، بحسب مضمون المصدر). ويقول مفسرو كنيسة مارمرقس: تظهر هنا أهمية القائد الروحي أو رب الأسرة أو الخادم في حفظ السلام (تفسير تك ١٣: ٨-٩، بحسب مضمون المصدر).
ويقول البابا شنوده الثالث إن هذا الاعتزال كان اعتزالاً مع الاحتفاظ بالمحبة، وليس فيه خطية، والدليل أن أبرام لما وقع لوط في السبي جمع رجاله وأنقذه (ص ٤٢، بحسب مضمون المصدر). فالانفصال في المكان لا يعني انقطاع القلب. وهذا يفيد من يعيشون الخلاف في العائلات: قد نفترق في السكن، ولا نفترق في المحبة.
ويقول الذهبي الفم في عظته عن هذا الموضع، بحسب مضمون كلامه: إن الشيخ الذي صنع كل هذه الأعمال الصالحة وتمتع بحظوة عند الرب، أظهر تجاه ابن أخيه الأصغر مساواة في التقدير، وترك له مكان الصدارة، واحتمل كل شيء لقطع أسباب الخصام، ويدعونا الذهبي الفم أن نقتدي به (العظة ٣٤، الفقرة ١، ص ٢٩٠-٢٩١ بحسب ترقيم الكتاب المطبوع، بحسب مضمون المصدر).
(د) «فرفع لوط عينيه»
«فرفع لوط عينيه ورأى كل دائرة الأردن أن جميعها سقي... كجنة الرب، كأرض مصر». لاحظوا تفصيلين:
ويقول القمص أنطونيوس فكري: هذه التجربة كشفت عن قلب أبرام المتغرب عن العالم، وقلب لوط المادي. ويضيف بالتنبيه المفيد: «حين يتنعم الإنسان جداً ينجذب للشر جداً، لذلك تكثر كنيستنا من أصوامها» (تفسير تك ١٣: ٦-١٣، بحسب مضمون المصدر). وهذه قاعدة مهمة تفسر لماذا نصوم.
ولا بد لنا من إنصاف لوط، فالقديس بطرس يسميه «باراً» ويقول إنه كان يعذب نفسه كل يوم بالأعمال الأثيمة (٢بط ٢: ٧-٨). وقد لاحظ ذلك القمص أنطونيوس فكري والبابا شنوده. ومع ذلك يلاحظ القمص أنطونيوس فكري أن لوطاً ذهب إلى هناك سعياً وراء المادة، فلم يستطع أن يبشر أو يشهد للحق، وحين فعل أخيراً كان كمازح في عيون أهل سدوم (تك ١٩: ١٤، تفسير تك ١٤، بحسب مضمون المصدر).
(هـ) «ارفع عينيك»: الله يرد
بعد انصراف لوط، وليس قبله، يتكلم الله: «وقال الرب لأبرام، بعد اعتزال لوط عنه». لاحظوا التوقيت: الله ينتظر أن يتم التنازل ثم يتكلم. والذهبي الفم ينتبه إلى هذا بدقة: الكتاب لم يقل «وقال الرب» فقط، بل أضاف «بعد اعتزال لوط عنه» لكي نعرف أن هذا الكلام مكافأة على ما فعله أبرام (العظة ٣٤، الفقرة ٥، ص ٢٩٢-٢٩٣ بحسب ترقيم الكتاب المطبوع، بحسب مضمون المصدر). ويقول إن الرب استعمل نفس كلمات أبرام: هو قال للوط «أليست كل الأرض أمامك؟» والله قال له: «ارفع عينيك... جميع الأرض التي أنت ترى لك أعطيها». ثم يعلق الذهبي الفم بأن العطاء الإلهي فاق ما فعله أبرام بمقدار عظيم، ويستنتج درساً في العطاء: أن الرب إذا رآنا نبذل حتى القليل من تلقاء أنفسنا، أغدق علينا أكثر بكثير مما فعلنا.
ويقول القمص أنطونيوس فكري، بحسب مضمون كلامه: إن أبرام ترك قسماً فأخذ الكل، ومن اختار لنفسه وسط الأشرار خسر كل شيء. ويرى هو ومفسرو كنيسة مارمرقس أن النظر إلى الجهات الأربع ربما أشار إلى الصليب الذي به سيملك المسيح الآتي من نسل أبرام، وأن قول الله «قم امش» يشير إلى قيامة المسيح وإلى شعبه الذي يسير دائماً في اتجاه السماء. وهي قراءة رمزية يقدمها المفسرون، ونعرضها كتأمل.
ويلتقط القمص أنطونيوس فكري تفصيلاً: في ظهور آخر يقول الله لأبرام «نسلك كنجوم السماء» (تك ١٥: ٥)، وهنا يقول «كتراب الأرض»، فيرى أن النجوم رمز لليهود، والرمل لمن آمنوا بالمسيح من الأمم، لأن الرمل يُرى في نور الشمس، والمسيح هو شمس البر (بحسب مضمون المصدر). وهو تأمل رمزي أيضاً.
ثم تنتهي القصة كما بدأت: «فنقل أبرام خيامه وأتى وأقام عند بلوطات ممرا التي في حبرون، وبنى هناك مذبحاً للرب». الخيمة والمذبح مرة أخرى. وهو المذبح الثالث الذي يذكره الكتاب لأبرام في الأرض. ويقول القمص أنطونيوس فكري إن أبرام عند بلوطات ممرا تقابل مع الله واستضافه مع الملاكين، وعاش في شركة مع الله، وكانت حياته رحيلاً مستمراً نحو شركة أعمق، أما لوط فكان رحيله إلى سدوم (بحسب مضمون المصدر).
٨. الحرب: الغريب الذي ينقذ المستوطن (تك ١٤: ١-١٦)
(أ) خلفية الحرب
يبدو الإصحاح الرابع عشر غريباً بين إصحاحات التكوين: أسماء ملوك ومعارك وأسماء بلاد. وكذلك يلاحظ مترجم عظات الذهبي الفم أن هذا الإصحاح يتميز بخروجه عن سياق القصة إلى التاريخ العالمي، وبكثرة التفاصيل المحيرة، وأن الذهبي الفم نفسه لا يهتم بالتفاصيل التاريخية بل ينتقل بسرعة إلى أبرام وملكي صادق (ملاحظة المترجم، العظة ٣٥، الحاشية ١).
والصورة العامة التي يقدمها القمص تادرس ملطي والقمص أنطونيوس فكري: كدرلعومر ملك عيلام، واسمه يعني «عبد لعومر»، أحد آلهة العيلاميين، اشتهر ببطشه وسطوته، وأخضع بلاد وادي الأردن، ومنها مدن سدوم وعمورة وأدمة وصبوييم وصوغر، فدفعت له الجزية اثنتي عشرة سنة. وفي السنة الثالثة عشرة تمردت الخمس مدن، وفي الرابعة عشرة جاء كدرلعومر ومعه ثلاثة ملوك لتأديبهم. وقد بدأ بإخضاع الشعوب الصغيرة حول سدوم، حتى لا تجد من يعينها، ثم استدار إلى الخمسة ملوك (تفسير فكري، تك ١٤: ١-٧، بحسب مضمون المصدر). وهي خطة عسكرية محكمة كما يصفها.
وفي ساحة المعركة تفصيل يستحق التأمل: «وعمق السديم كان فيه آبار حمر كثيرة. فهرب ملكا سدوم وعمورة وسقطا هناك». والحمر هو القار المعدني، وكانت الآبار حماية طبيعية للمدينة. ويعلق القمص أنطونيوس فكري: «سقطوا فيما تصوروا أنه يحميهم وهذا حال كل خاطئ» (بحسب مضمون المصدر). ما نظنه حماية قد يصير حفرة.
(ب) الخمسة والأربعة
يقدم القمص أنطونيوس فكري تأملاً روحياً في عدد الملوك: رقم الخمسة هو رقم الحواس، ورقم الأربعة رقم العالم. فالعالم بكل قوة إغرائه يهجم على حواسنا الخمسة الخاضعة لإغراءاته (تفسير تك ١٤: ١-٧، بحسب مضمون المصدر). وهو تأمل رمزي وليس تفسيراً حرفياً للنص.
(ج) لوط في الأسر
«وأخذوا لوطاً ابن أخي أبرام وأملاكه ومضوا، إذ كان ساكناً في سدوم». لاحظوا الكلمة: ساكناً. في الإصحاح الثالث عشر كان لوط «ينقل خيامه إلى سدوم»، وها هو الآن ساكن فيها بلا خيمة. ويلخص القمص تادرس ملطي القصة بقوله إن لوطاً طلب ما لنفسه فخسر كل شيء (بحسب مضمون المصدر). ويقول القمص أنطونيوس فكري إنه لم يخسر ما تشاجر عليه فقط، بل خسر نفسه إذ ذهب أسيراً (بحسب مضمون المصدر).
ويستخلص الذهبي الفم من هذا الموضع درساً عملياً، بحسب مضمون كلامه: أنه لا ينبغي أن نحتار حين نرى الصالحين يمرون بتجارب والأشرار ينجون منها، وأن علينا ألا نشتهي المناصب، ولا نحسب شيئاً أفضل من معاشرة الصالحين، حتى لو كان الثمن عبودية (العظة ٣٥، الفقرة ١٣، ص ٣١٣ بحسب ترقيم الكتاب المطبوع).
(د) «فأتى من نجا وأخبر أبرام العبراني»
تأملوا هذا الاسم: أبرام العبراني. هذه أول مرة يُسمّى فيها أحد «عبرانياً» في الكتاب. وتأتي الكلمة من «عابر»، وتعني العبور. ويرى القمص أنطونيوس فكري أن الوحي قصد أن يذكرنا بأن أبرام المتغرب في الخيام هو الذي أنقذ لوطاً الساكن المستوطن في سدوم (تفسير تك ١٤: ١٣، بحسب مضمون المصدر). ويقول القمص تادرس ملطي، بحسب مضمون كلامه، إن أبرام إذ عاش كعابر وغريب، استطاع بروح الغربة أن ينقذ سدوم وملكها ولوطاً وعائلته، أما لوط فإذ استوطن في سدوم لم يستطع أن ينقذ حتى نفسه.
وهذا يرد على فكرة شائعة. كثيرون يقولون: ينبغي أن نعيش وسط العالم ونتشبه به لكي نكسبه. ويرد القس ماير بأن لوطاً بقي في سدوم ولم يستطع أن يرفع مستواها، أما إبراهيم الذي كان يعيش وسط الجبال فكان الشخص الوحيد القادر أن يقف أمام الملك العاتي، وأن من أراد أن يرفع غيره وجب أن تكون نقطة ارتكازه بعيدة عنه (ماير، إبراهيم، ص ٤٨-٤٩ بحسب ترقيم ملف PDF، بحسب مضمون المصدر). ولكنه لا يقصد الانعزال البارد، ويقول إن الإيمان يجعلنا مستقلين عن الناس، لكنه لا يجعلنا غير مكترثين بهم، فيكفيه أن يسمع بأن أخاً قد أسر ليتخذ العدة في الحال (بحسب مضمون كلامه). وكذلك يفعل أبرام. لقد اعتزل لوطاً بالمكان، لكنه لم يعتزله بالقلب.
ويضيف القمص أنطونيوس فكري ملاحظة تعلّمنا الحكمة: إن أبرام ترك حقوقه في نزاعه مع لوط، لكنه حارب هنا، فنتعلم متى نتسامح ومتى ندافع (بحسب مضمون المصدر). وفي الحالتين، كان القلب واحداً: القلب الذي لا يحتمل أن يكون في راحة وغيره متألم.
(هـ) الثلاثمئة والثمانية عشر
جمع أبرام «غلمانه المتمرنين، ولدان بيته، ثلاث مئة وثمانية عشر». ويلفت الذهبي الفم النظر إلى أنهم من أهل بيته الذين وُلدوا عنده، ليحاربوا بحماسة كأنهم يدخلون الحرب من أجل سيدهم، وأن أبرام انتصر لا بقوة الجسد بل بإيمانه بالله (العظة ٣٥، الفقرتان ١٤-١٥، ص ٣١٣-٣١٤ بحسب ترقيم الكتاب المطبوع، بحسب مضمون المصدر). ويلاحظ القمص أنطونيوس فكري أن عدد رجال أبرام كان قليلاً لكن الله هو الذي يحارب، كما حدث مع جدعون بعد ذلك، وأن أبرام قسّم رجاله وهجم ليلاً كما فعل جدعون (بحسب مضمون المصدر).
وهناك تأمل قديم في العدد ٣١٨ يرويه القمص أنطونيوس فكري ويذكره القمص تادرس ملطي عن القديس أكليمنضس الإسكندري: فالرقم ٣١٨ يُكتب في اليونانية بالأحرف (ΤΙΗ)، والحرف الأول (T) شبيه بعلامة الصليب، والحرفان الآخران (IH) هما أول حرفين من اسم «يسوع»، وكأن رجال إبراهيم يشيرون إلى علامة الصليب واسم المخلص (بحسب مضمون المصدرين). ويذكر القمص أنطونيوس فكري ومفسرو كنيسة مارمرقس تأملاً آخر، وهو أن الثلاثمئة والثمانية عشر يشيرون إلى الآباء المجتمعين في مجمع نيقية، الذين أنقذوا الكنيسة من بدعة أريوس، كما أنقذ رجال إبراهيم لوطاً. والتأملان من باب الرمز ولا يُبنى عليهما عقيدة.
٩. ملكي صادق: الكاهن الذي يخرج بالخبز والخمر (تك ١٤: ١٧-٢٠)
(أ) لغز ظل غامضاً
بعد النصر، يتقابل في «عمق شوى» ثلاثة: ملك سدوم، وأبرام، وملكي صادق. ويصف القمص تادرس ملطي والقمص أنطونيوس فكري هذا اللقاء بأنه لغز لدى اليهود. فكيف يقدم أبو الآباء إبراهيم، الذي في صلبه الكهنوت اللاوي، العشور لرجل غريب؟ ولماذا ظهر هذا الملك الكاهن في الكتاب فجأة ثم اختفى؟ ولماذا لم يقدم ذبيحة دموية كما كانت العادة؟ وقد كشف السر القديس بولس في الرسالة إلى العبرانيين حين قال إن ملكي صادق صورة للمسيح (تفسير تادرس ملطي وفكري، تك ١٤، بحسب مضمون المصدرين).
(ب) ما الذي يقوله الكتاب عن ملكي صادق؟
نحن نعرف عنه أقل القليل: ثلاث آيات في سفر التكوين (تك ١٤: ١٨-٢٠)، وجملة واحدة في المزمور (مز ١١٠: ٤)، وأصحاح في الرسالة إلى العبرانيين (عب ٧). وهذا القليل يكفي لأن الروح القدس أراد به أن يرسم صورة.
وللقديس أمبروسيوس ملاحظة تحفظنا من المبالغة، يرويها القمص تادرس ملطي: إن ملكي صادق كان إنساناً مقدساً وكاهناً لله يرمز لربنا يسوع المسيح، ولم يكن ملاكاً كما ادعى بعض اليهود. ويشرح الذهبي الفم عبارة «بلا أب ولا أم» بعبارة مفيدة: لا تتوقع أن تجد كل شيء في الرمز، فلو احتوى الرمز كل ملامح الحقيقة لما كان رمزاً. فالمقصود أن الكتاب لا يذكر والديه ولا نسبه، فصار بذلك رمزاً للمسيح الذي بلا أم في السماء وبلا أب على الأرض (العظة ٣٥، الفقرة ١٦، ص ٣١٥-٣١٦ بحسب ترقيم الكتاب المطبوع، بحسب مضمون المصدر).
وقد قال الذهبي الفم أيضاً إنه ربما كان كاهناً عيّن نفسه بنفسه، كما كان شأن كهنة ذلك الزمان، وإنه كان في أمر بعينه رمزاً للمسيح (العظة ٣٥، الفقرة ١٦، بحسب مضمون المصدر).
(ج) ملكي صادق والمسيح
ويقدم القمص تادرس ملطي مقارنة موجزة بين الاثنين، يعاونه القمص أنطونيوس فكري ومفسرو كنيسة مارمرقس. أعرضها في جدول:
ويضيف القمص تادرس ملطي نقطة قوية: إن إبراهيم، الذي في صلبه لاوي الذي يأخذ العشور، يقدم بنفسه العشور لملكي صادق. «فماذا يكون هذا الرمز؟ وكم يكون المرموز إليه؟» (بحسب مضمون المصدر؛ قارن عب ٧: ٤-١٠).
(د) الخبز والخمر
وهنا نصل إلى الفقرة الأعمق: «أخرج خبزاً وخمراً». ينقل القمص تادرس ملطي كلمات القديس كبريانوس، بحسب المضمون: من هو كاهن الله العلي أكثر من ربنا يسوع المسيح الذي قدم ذبيحة لله الآب، مقدماً الأمور نفسها التي قدمها ملكي صادق: الخبز والخمر، أي جسده ودمه؟ ويقول القديس جيروم، بحسب النقل نفسه، إن هذا هو ملكي صادقنا الذي قدم الذبيحة المقدسة التي لنا، وهو القائل «من يأكل جسدي ويشرب دمي» (يو ٦: ٥٦)، مانحاً إيانا سره على رتبة ملكي صادق. ويلفت الذهبي الفم النظر عند الآية نفسها إلى أن في ما فعله ملكي صادق مع الأب البطريرك سراً يُشار إلينا به: فقد أخرج خبزاً وخمراً. ويدعونا أن نتأمل الحقيقة بعد أن رأينا الرمز (العظة ٣٥، الفقرة ١٧، ص ٣١٦ بحسب ترقيم الكتاب المطبوع، بحسب مضمون المصدر).
ولكي لا يختلط الأمر على أحد، أوضح نقطة: نحن لا نقول إن ملكي صادق قدّم الإفخارستيا بمعناها الكامل. نقول إن تقدمته صورة تشير إليها، وإن الصورة تأخذ معناها الكامل في المسيح، كما يقول الآباء. والمذبح الذي يُقدَّم عليه الخبز والخمر في كنيستنا في كل قداس يتجاوز الصورة إلى الحقيقة.
وفي حياة كنيستنا نسمع صدى هذا الاسم. فالكتاب الذي يشرح أسرار الكنيسة (Mettaous، «Sacramental Rites in the Coptic Orthodox Church») يورد في سر الكهنوت قول الرسالة إلى العبرانيين: «أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق» (عب ٥: ٤-٦، نحو ص ١٤٧ من ٢٢٤ بحسب ملف PDF). ويورد في طقس تنصيب البابا البطريرك قول المزمور: «أقسم الرب ولن يندم: أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق» (مز ١١٠: ٤). فكلما تُمنح السلطة الكهنوتية في كنيستنا، نذكر أن كهنوتنا مشاركة في كهنوت المسيح الواحد، ملكي صادق الحقيقي.
(هـ) العشور والبركة
«فأعطاه عشراً من كل شيء». أول ذكر للعشور في الكتاب يأتي من إبراهيم قبل الناموس. ويقول الذهبي الفم إن إبراهيم صار هنا معلماً لنا كيف نقدم السخاء ونقدم باكورة ما أعطانا الله (العظة ٣٥، الفقرة ١٨، ص ٣١٧، بحسب مضمون المصدر). ويرى مفسرو كنيسة مارمرقس أن إبراهيم، أب الكهنوت الهاروني، خضع لملكي صادق، وأن هذا يعني أن كهنوت المسيح أعلى من الكهنوت اليهودي (تفسير تك ١٤: ١٩، بحسب مضمون المصدر).
وأخيراً نلاحظ كلمات البركة: «مبارك أبرام من الله العلي مالك السماوات والأرض، ومبارك الله العلي الذي أسلم أعداءك في يدك». أول كلمة من فم الكاهن للمنتصر: النصر من الله. وهكذا يقول مفسرو كنيسة مارمرقس: سبب القوة ليس إبرام بل الله العامل فيه (تفسير تك ١٤: ٢٠، بحسب مضمون المصدر).
١٠. ملك سدوم: «أعطني النفوس وخذ الأملاك» (تك ١٤: ٢١-٢٤)
(أ) العرض
بعد البركة تأتي التجربة. والقس ماير ينبّه إلى هذا بدقة: وقت النجاح العظيم كثيراً ما يكون علامة على قرب مجيء تجربة عظيمة (ماير، إبراهيم، ص ٤٩ بحسب ترقيم ملف PDF، بحسب مضمون المصدر). فقد عرض ملك سدوم عرضاً سخياً: «أعطني النفوس، وأما الأملاك فخذها لنفسك». وكان من حق أبرام أن يأخذ: فقد حرر الجميع وهو المنتصر. ويقول القمص أنطونيوس فكري: كان من حق إبرام أن يحصل على الأملاك مكافأة على تعبه (بحسب مضمون المصدر).
(ب) الرفض
لم يتردد أبرام. وقد جاء رده قسماً: «رفعت يدي إلى الرب الإله العلي مالك السماء والأرض». ويلاحظ القمص أنطونيوس فكري أن أبرام يكرر وراء ملكي صادق ما تعلمه منه: «الله العلي مالك السماء والأرض»، وأن رفع اليد يعني القسم (بحسب مضمون المصدر). أي أنه خرج من لقاء ملكي صادق بكلمات الكاهن على فمه. ويضيف الذهبي الفم أن أبرام أقسم بالله الخالق حتى يعلّم ملك سدوم، فيعرف الإله الحقيقي ولا يحسب الأوثان آلهة (العظة ٣٥، الفقرة ١٨، ص ٣١٧-٣١٨ بحسب ترقيم الكتاب المطبوع، بحسب مضمون المصدر). ويرى أن أبرام حفظ وصية المسيح: «مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا» (مت ١٠: ٨).
«لا آخذنّ لا خيطاً ولا شراك نعل». ويشرح القمص أنطونيوس فكري أن الخيط يخص النساء، وشراك النعل يخص الرجال، والمقصود أنه لا يريد أي مكافأة أرضية، لا من الرجال ولا من النساء الذين أنقذهم (بحسب مضمون المصدر). والعلة: «فلا تقول: أنا أغنيت أبرام». أي: لا أريد أن يكون غناي من يدك، لأن لي أباً سماوياً يغنيني.
ويضيف الذهبي الفم، بمعنى كلامه، أن أبرام يقول لملك سدوم في قلبه: لي من يعطيني بغير حساب، ولا حاجة لي إلى غناك، وقد تنازلت للوط عن أشياء ضئيلة فنلت وعوداً عظيمة، فبرفضي لعطيتك أربح غنى أعظم ونعمة أكثر (العظة ٣٥، الفقرة ١٩، ص ٣١٨، بحسب مضمون المصدر).
(ج) الفرق بين مصر وسدوم
هنا نربط ما بين نهايتي القصة. في الإصحاح الثاني عشر قبِل أبرام العطايا من فرعون التي جاءته بسبب سارة، وفي الإصحاح الرابع عشر رفض أن يقبل شيئاً من ملك سدوم. ويقول البابا شنوده الثالث إن أبرام، في نضوجه الروحي، رفض هذا الغنى من ملك سدوم، بعد أن كان قد قبل مثله من فرعون (إبراهيم أبو الآباء، ص ٢٨ بحسب ترقيم ملف PDF، بحسب مضمون المصدر). وهذا يفيدنا أن النمو الروحي حقيقة: أبرام في الإصحاح الرابع عشر ليس أبرام في الإصحاح الثاني عشر. من يسقط ويقوم يخرج أقوى مما كان. وكما رأينا مع الذهبي الفم، الله لم يترك أبرام في سقطته ولم يتخلَّ عنه.
(د) لا يفرض مستواه على غيره
ولكن أبرام لا يتعجرف. بعد أن رفض لنفسه، يقول: «ليس لي غير الذي أكله الغلمان، وأما نصيب الرجال الذين ذهبوا معي: عانر وأشكول وممرا، فهم يأخذون نصيبهم». يقول القمص أنطونيوس فكري: «هو ترك حقه لكن طلب حق الرجال الذين حاربوا معه. فهو لا يلزم الآخرين بنفس مستواه الروحي. بل بحكمته هذه اشترى صداقتهم. هذه صورة حية للنضوج الروحي والفكري» (بحسب مضمون المصدر). ويشير مفسرو كنيسة مارمرقس إلى أن في هذا عدل إبرام واحترامه لحقوق الآخرين.
ويلخص القمص تادرس ملطي، ناقلاً عن الأب ثيوناس والقديس أمبروسيوس: فاق إبراهيم مطالب الناموس التي أُعطيت فيما بعد، إذ لم يلمس شيئاً من الغنائم التي كانت له حقاً. وقال أمبروسيوس عنه، بحسب النقل، إنه كان أميناً في الحرب، متضعاً في نصرته، مفضلاً ألا يغتني بهبات الآخرين بل بهبات الله.
١١. المسيح في الإصحاحات الثلاثة
في هذه الإصحاحات نرى المسيح في صور كثيرة، بعضها يقدمه الآباء صراحة، وبعضها تأملات لنا، وقد ميّزنا بينها:
وهناك تأمل أخير نربط به الخيط الذي بدأنا به الجلسة. في الإصحاح الحادي عشر: بابل تصعد لتصنع اسماً. وفي الإصحاح الثاني عشر: الله يدعو أبرام ويعظم اسمه. وفي الرابع عشر: أبرام يرفض أن يأخذ من ملك سدوم شيئاً «لئلا يقول: أنا أغنيت أبرام». نحن لا نصنع الاسم، ولا نصنع الغنى، وإنما نأخذ من الله «اسماً فوق كل اسم» (في ٢: ٩).
١٢. ماذا تقول لنا هذه الإصحاحات اليوم؟
نخرج من الجلسة بثلاثة أسئلة، لكل فعل من الأفعال الثلاثة سؤال:
(أ) ماذا يطلب الله أن أتركه؟
أبرام ترك «أرضه وعشيرته وبيت أبيه». نحن لا نُدعى كلنا للخروج الجغرافي، لكننا مدعوون إلى الخروج من عادة قديمة، أو علاقة تعطّلني (تارح)، أو أمان زائف (أور). والسؤال: أين «حاران» في حياتي، حيث توقفت في منتصف الطريق؟
(ب) ماذا أتنازل عنه من أجل السلام؟
أبرام تنازل عن حقه في الأرض الأفضل. وفي البيت والكنيسة والعمل، كم من الخصومات تدور على «حق الاختيار الأول»؟ والسؤال: هل أستطيع أن أقول لمن حولي: «لا تكن مخاصمة بيني وبينك لأننا نحن إخوة»، ثم أترك لله أن يختار لي؟
(ج) ماذا أرفض؟
أبرام رفض الغنائم. ويشير البابا شنوده إلى أن أبرام رفض هذا الغنى في نضوجه الروحي، بعد أن قبل مثله من فرعون. والسؤال: ما هي العطية التي ينبغي أن أرفضها حتى لا يقال: «هذا الشخص هو الذي أغناني»؟
(د) أين خيمتي وأين مذبحي؟
وفوق كل ذلك، الخيمة والمذبح. خيمتي: هل أعيش في العالم كمن له وطن آخر؟ ومذبحي: هل في بيتي موضع للصلاة، وفي حياتي رجوع منتظم إلى الأسرار المقدسة؟ وقد سمعنا مفسري كنيسة مارمرقس يقولون: «لا تبتعد عن المذبح والتناول من الأسرار المقدسة فهي حياتك».
١٣. مناقشة جماعية
١٤. الخلاصة
رأينا اليوم ثلاثة إصحاحات من قصة أبرام. في الأول سمع صوتاً: «اذهب»، فترك أرضه وعشيرته وبيت أبيه، وهو لا يعلم إلى أين يأتي. بنى مذبحاً في كل موضع نصب فيه خيمته، ثم سقط في مصر حين خاف، وكان الله هو الذي حفظ سارة وردّ أبرام إلى المذبح. وفي الثاني تنازل للوط عن حق الاختيار، فأعطاه الله الأرض كلها: «ارفع عينيك». وفي الثالث خرج ليخلّص لوطاً الأسير، ثم استقبله ملكي صادق بالخبز والخمر، ورفض أن يأخذ من ملك سدوم خيطاً ولا شراك نعل.
ونخرج بثلاثة أفعال: أترك، وأتنازل، وأرفض. وبعلامتين: الخيمة والمذبح. وبصورة المسيح: الكاهن الملك الذي يخرج إلينا بالخبز والخمر، والذي منه تتبارك جميع قبائل الأرض.
١٥. الواجب الأسبوعي
١٦. صلاة ختامية
أيها الرب الإله، يا من دعوت أبانا إبراهيم وهو في أرض الأوثان، وجعلته أباً لجميع المؤمنين؛ نشكرك على هذه الساعة التي جمعتنا فيها حول كلمتك.
يا من لم تتخلَّ عن أبرام حين نزل إلى مصر، بل حفظت سارة وردّه إلى المذبح، لا تتخلَّ عنا حين نضعف. أرجعنا إلى مذبحك كلما بعدنا عنه. علّمنا أن نترك لنربح، وأن نتنازل لنرث، وأن نرفض ما لا يأتي منك، وأن نقول مع إبراهيم: «رفعت يدي إلى الرب الإله العلي مالك السماء والأرض».
أيها الملك الكاهن، ملكي صادق الحقيقي، يا من تخرج إلينا بالخبز والخمر، جسدك ودمك الأقدسين، اجعلنا مستحقين أن نأخذ منك الغنى الحقيقي، وأن نكون بركة لمن حولنا. احفظ كل من حضر وبيته وأسرته، وارحم المتفرقين، واجمعنا في الكنيسة الواحدة الجامعة، ولك المجد مع أبيك الصالح والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. بشفاعة والدة الإله القديسة العذراء مريم، وصلوات القديسين مار بطرس ومار أندراوس. آمين.
١٧. توزيع الوقت المقترحللخادم
المجموع نحو ٨٦ دقيقة، وهو يناسب اجتماعاً مدته ساعة ونصف الساعة (من ٦:٣٠ إلى ٨:٠٠) مع دقائق للترحيب والترنيمة والإعلانات. وهذه أزمنة تقديرية، يضبطها القائم بالخدمة بحسب المجموعة.
١٨. حالة المصادر (للخادم)للخادم
ما اعتُمد عليه أساساً:
نقاط قُدمت بحذر أو كتأمل:
لم يُستخدم: كتب أخرى من المكتبة (مثل «الأرشيدياكون نجيب جرجس»، و«سياحة في العهد القديم»، و«موسوعة الخادم القبطي»)، ولم يُراجع نص القداس.
١٩. المراجع المستخدمة
الكتاب المقدس، سفر التكوين ١٢-١٤ (ترجمة فان دايك)، مع النصوص الأخرى المقتبسة.
تفسير سفر التكوين، القمص تادرس يعقوب ملطي، الإصحاحات ١٢ و١٣ و١٤.
تفسير سفر التكوين، القمص أنطونيوس فكري، الإصحاحات ١٢ و١٣ و١٤.
تفسير سفر التكوين، كهنة وخدام كنيسة مارمرقس بمصر الجديدة، الإصحاحات ١٢ و١٣ و١٤.
St. John Chrysostom, Homilies on Genesis 18-45, trans. Robert C. Hill, Fathers of the Church 82: Homily 32 (§16-24, pp. 267-272), Homily 34 (§1-6, pp. 290-293), Homily 35 (§13-20, pp. 313-319).
قداسة البابا شنوده الثالث، إبراهيم أبو الآباء (ص ٢٠-٢٨، ٣٨-٤٣ بحسب ترقيم ملف PDF).
الأنبا بيشوي، إبراهيم أب الآباء، مطرانية دمياط وكفر الشيخ والبرارى، ٢٠١١ (الفصول الأولى، ص ١٣-٢١ تقريباً).
F. B. Meyer (ف. ب. ماير)، إبراهيم (ترجمة عربية)، ص ١٠-١٣ و٤٨-٥٠ بحسب ترقيم ملف PDF.
Mettaous, Sacramental Rites in the Coptic Orthodox Church, 2000 (سر الكهنوت، وطقس تنصيب البابا).
























ما نراه في النص، وكيف يكتمل في المسيح.
للمناقشة والتأمل
- «اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك». ما هي الدوائر الثلاث في حياتي؟ وأي دائرة منها أصعب عليّ أن أتركها؟
- توقف تارح في حاران. هل مررتُ بموقف توقفت فيه عن الاستجابة لدعوة الله لأن أحداً ما، أو شيئاً ما، عطّلني؟
- نزل أبرام إلى مصر حين اشتد الجوع ولم يذكر الكتاب أنه بنى هناك مذبحاً. ما هي «مصري» الخاصة حين أشعر بالضيق: ماذا أفعل أولاً؟
- «لا تكن مخاصمة بيني وبينك». كيف نتعامل مع الخلافات في العائلة وفي الخدمة بحيث لا «يشمت فينا الكنعانيون والفرزيون»؟
- أبرام «العبراني» أنقذ لوطاً المستوطن في سدوم. كيف نكون في العالم دون أن نصير من العالم، وكيف نخدم الذين في «سدوم» دون أن نسكن فيها؟
- رفض أبرام الغنائم بعد أن بارك ملكي صادق. كيف تؤثر فيّ البركة (الإفخارستيا) في قراراتي عن المال والمكاسب؟
تطبيق الأسبوع
- الكتاب المقدس، سفر التكوين ١٢-١٤ (ترجمة فان دايك)، مع النصوص الأخرى المقتبسة.
- تفسير سفر التكوين، القمص تادرس يعقوب ملطي، الإصحاحات ١٢ و١٣ و١٤.
- تفسير سفر التكوين، القمص أنطونيوس فكري، الإصحاحات ١٢ و١٣ و١٤.
- تفسير سفر التكوين، كهنة وخدام كنيسة مارمرقس بمصر الجديدة، الإصحاحات ١٢ و١٣ و١٤.
- St. John Chrysostom, Homilies on Genesis 18-45, trans. Robert C. Hill, Fathers of the Church 82: Homily 32 (§16-24, pp. 267-272), Homily 34 (§1-6, pp. 290-293), Homily 35 (§13-20, pp. 313-319).
- قداسة البابا شنوده الثالث، إبراهيم أبو الآباء (ص ٢٠-٢٨، ٣٨-٤٣ بحسب ترقيم ملف PDF).
- الأنبا بيشوي، إبراهيم أب الآباء، مطرانية دمياط وكفر الشيخ والبرارى، ٢٠١١ (الفصول الأولى، ص ١٣-٢١ تقريباً).
- F. B. Meyer (ف. ب. ماير)، إبراهيم (ترجمة عربية)، ص ١٠-١٣ و٤٨-٥٠ بحسب ترقيم ملف PDF.
- Mettaous, Sacramental Rites in the Coptic Orthodox Church, 2000 (سر الكهنوت، وطقس تنصيب البابا).