سفر التكوين: البدايات وخطة الخلاص
سفر التكوين هو الباب الذي ندخل منه إلى الكتاب المقدس كله. كتبه موسى النبي بوحي الروح القدس ليعلن لشعبه إلهاً واحداً خالقاً، وسط عالم مملوء بأساطير الآلهة المتصارعة.
في الإصحاح الأول يقول الله فيكون. روح الله يرف على وجه المياه، والنور يشرق قبل أن تُخلق الشمس، وكل ما عمله الله «حسن جداً».
وفي ذروة الخليقة يقول الله: «نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا». الصورة عطية ثابتة، والشبه دعوة إلى النمو. السقوط شوّه الصورة ولم يمحها، والمسيح جاء ليجددها.
١. صلاة الافتتاح
أيها الرب الإله القدير، يا من في البدء خلقتَ السماوات والأرض بكلمتك، ويا من خلقتَ الإنسان على صورتك ومثالك؛ نأتي الآن أمامك بقلوب متضعة، طالبين أن تفتح عيون أذهاننا لنتأمل في كلمتك المقدسة ونفهم عظمة أعمالك.
أرسل روحك القدوس ليرفّ على قلوبنا كما رفّ على المياه في بدء الخليقة، فيخرج فينا خليقة جديدة، ويفصل بيننا وبين كل ظلمة، ويهبنا نوراً يضيء طريق حياتنا.
يا من نظرتَ إلى كل ما صنعتَ فإذا هو حسن جداً، انظر إلينا نحن أيضاً - نحن عمل يديك - وجدد فينا صورتك التي شوّهتها الخطية. ويا من استرحتَ في اليوم السابع لا لأنك تعبت، بل لتدعونا نحن إلى راحتك، امنحنا في هذه الساعة أن نستريح من ضجيج العالم لنسمع صوتك.
بارك هذا الاجتماع، وبارك كل من حضر ليسمع كلمتك، واجعل هذه الساعة بداية بركة ونعمة لحياة جديدة معك، بشفاعة والدة الإله القديسة العذراء مريم، وصلوات القديسين مار بطرس ومار أندراوس. آمين.
٢. مراجعة سريعة: لماذا ندرس الكتاب المقدس؟
قبل أن ندخل في سفر التكوين، يليق بنا أن نقف قليلاً لنسأل أنفسنا سؤالاً جوهرياً: لماذا ندرس الكتاب المقدس كله، وبالتحديد لماذا نُتعب أنفسنا في دراسة العهد القديم، مع أننا نعيش في عهد النعمة الذي أعلنه لنا رب المجد يسوع؟
يحكي القمص بيشوي كامل في كتيّبه "كيف ندرس العهد القديم" قصة معبّرة عن هذا السؤال (بحسب مضمون المصدر): كانت هناك فتاة تؤمن بالتوراة (العهد القديم) وحدها، حضرت مع شاب مسيحي إلى كنيسته في أمريكا طالبة الزواج منه. فسألها الكاهن: هل تعرفين التوراة؟ فأجابت بكبرياء أنها تعرفها جيداً، وأنه لا علاقة بينها وبين الإنجيل. فطلب منها أن تقرأ له جزءاً من سفر الخروج، وبدأ يشرح لها معنى الفداء وخروف الفصح ورموزه الدقيقة التي تشير إلى المسيح. عندئذ انفتح ذهنها في إنصات شديد، بل بدأت تتردد بإلحاح على الكنيسة، وكأن لسان حالها يقول: "كنت أعمى والآن أُبصر".
هذه القصة الصغيرة تلخّص لنا سبب دراستنا للعهد القديم: فهو ليس كتاباً منفصلاً عن الإنجيل، بل هو الطريق الذي به نصل إلى فهم أعمق لشخص المسيح نفسه. ويذكر الأب بيشوي كامل ثلاثة أسباب رئيسية لهذا (بحسب مضمون المصدر نفسه):
الأول: أن العهد القديم به عدد كبير من الأنبياء تحدثوا كلهم - كلٌ بطريقته - عن المسيح الآتي، وبه أحداث كثيرة كلها ترمز لعمل الخلاص، حتى إن دراسة العهد القديم لا يمكن أن تُفهم فهماً صحيحاً إلا في ضوء الوصول إلى شخص المسيح.
الثاني: لا يمكن إهمال العهد القديم لأن به إشارات تُلقي ضوءاً على أسرار العهد الجديد، وبدونها لا يمكن الوصول إلى هذا العمق اللاهوتي، تماماً كما فعل معلمنا بولس الرسول في رسالته إلى العبرانيين حين بنى لاهوته عن كهنوت المسيح على أساس فهم عميق لسفر اللاويين وملكي صادق.
الثالث: أن الكنيسة نفسها - وليس فقط الدارسين والباحثين - تقرأ كثيراً من العهد القديم في صلواتها وطقوسها، وبخاصة في الصوم الكبير وأسبوع الآلام، إذ تدرك بروح النبوة السرَّ العميق الذي يربط بين العهدين. فحين نتعلم العهد القديم، نحن في الحقيقة نتهيأ لنفهم صلوات كنيستنا نفسها بعمق أكبر.
وينطبق هذا كله - بل يبدأ بالتحديد - من سفر التكوين؛ فهو الباب الذي منه ندخل إلى فهم كل الكتاب المقدس، ومنه تنطلق كل الخيوط اللاهوتية التي ستُنسج عبر أسفار الكتاب كلها حتى تكتمل في شخص ربنا يسوع المسيح.
٣. مقدمة إلى سفر التكوين
من هو كاتب سفر التكوين؟
يشهد العهد القديم والعهد الجديد معاً أن كاتب الأسفار الخمسة، ومنها سفر التكوين، هو موسى النبي. فنسمع كثيراً في العهد القديم عبارة "كما هو مكتوب في شريعة موسى رجل الله"، ونسب المسيح نفسه والرسل الشريعة والناموس إلى موسى (بحسب مضمون المقدمة في تفسير سفر التكوين للقمص أنطونيوس فكري). وتؤكد "موسوعة الخادم القبطي" هذا بذكر عدة شواهد كتابية صريحة تنسب كتابة أسفار موسى الخمسة إليه، منها قول الرب لموسى: "اكتب هذا تذكاراً في الكتاب" (خر ١٧: ١٤)، وقول سفر التثنية: "وكتب موسى هذه التوراة" (تث ٣١: ٩)، حتى إن الشواهد من العهدين القديم والجديد معاً - كما تُجمل الموسوعة - "تعلن كلها في وضوح تام أن الكاتب للأسفار الخمسة (التوراة) هو موسى النبي" (بحسب مضمون المصدر، موسوعة الخادم القبطي، ص ٢٥-٢٦).
وقد كتب موسى بوحي الروح القدس، ناقلاً أيضاً ما تناقلته الأجيال التقية شفوياً، بل ربما كتابياً، من آدم حتى زمانه (بحسب مضمون تفسير أنطونيوس فكري). ويشير الأرشيدياكون نجيب جرجس إلى أن سفر التكوين كُتب في فترة تيه بني إسرائيل الأربعين عاماً في البرية، بين عبور البحر الأحمر ودخول أرض كنعان (بحسب مضمون المصدر).
ماذا يعني اسم "التكوين"؟
يُدعى السفر في العبرية "بريشيت" (Bereshit)، وهي أول كلمة في السفر نفسه، ومعناها "في البدء". أما في الترجمة اليونانية (السبعينية)، فقد سُمي "چينيسيس" (Genesis)، ومنها جاءت التسمية العربية "التكوين"، وكلها تعني الأصل أو بداية الأمور (بحسب مضمون مقدمة تفسير أنطونيوس فكري). وحقاً فإن هذا السفر يحوي بدايات كل شيء: بداية الخليقة، وبداية الجنس البشري، وبداية الزواج، وبداية دخول الخطية والموت إلى العالم، وبداية نشأة الأمم والحرف والفنون.
متى كُتب، وما موضوعه؟
يشير القديس يوحنا ذهبي الفم - كما ينقل عنه الأرشيدياكون نجيب جرجس - إلى رأي يرى أن الآية الأولى "في البدء خلق الله السماوات والأرض" عبارة إجمالية تفيد أن الله خالق جميع المخلوقات، بينما يرجّح معظم الآباء والمفسرين أنها تصف عملية مستقلة بذاتها هي خلق السماوات وما فيها والأرض "خربة وخالية"، تلتها بعد ذلك بقية أعمال الخلق تباعاً (بحسب مضمون المصدر، ص ٤٥). وقد أ ّكد موسى النبي بهذا أن الله هو الخالق الواحد، نازعاً عن شعبه الأساطير الكثيرة التي كانت تملأ العالم القديم حول موضوع الخلق (بحسب مضمون تفسير القمص تادرس يعقوب ملاطي).
هل السفر موثوق ومحفوظ لنا كما كُتب؟
قبل أن نبدأ في دراسة أي سفر من أسفار الكتاب المقدس، يليق بنا أن نطمئن على أن هذا الكتاب الذي بين أيدينا هو ذاته الذي كتبه الأنبياء بوحي الروح القدس، ولم يتبدل بمرور القرون. تُلخّص "موسوعة الخادم القبطي" هذا الأمر بذكرها أن الكتاب المقدس، ورغم امتداد زمن كتابته وتنوع لغاته الأصلية (العبرية أساساً، وبعض الآرامية)، وصل إلينا عبر تقليد نصّي دقيق حرص عليه اليهود والكنيسة معاً، حتى إن العهد الجديد نفسه يستخدم لأسفار العهد القديم تعبير "الكتب المقدسة" (Sacred Writings)، ويشهد الرب يسوع نفسه لسلطانها بقوله: "الكتب لا يمكن أن تُنقض" (يو ١٠: ٣٥) (بحسب مضمون المصدر، ص ٥-٩). وهذا يمنحنا الثقة الكاملة أننا، إذ نقرأ الإصحاح الأول من سفر التكوين اليوم، إنما نسمع الكلمة ذاتها التي أوحى بها الروح القدس لموسى النبي.
٤. الموضوعات الرئيسية لسفر التكوين
أهم سمات السفر وغايته
يلخّص لنا الأب أنطونيوس فكري في مقدمة تفسيره أهم سمات هذا السفر وغايته، ومما ورد (بحسب مضمون تفسيره):
التقسيم العام لسفر التكوين
حتى نفهم موضع الإصحاح الأول الذي سندرسه اليوم من السفر كله، يفيدنا أن نرى خريطة السفر كاملاً. تقسّم "موسوعة الخادم القبطي" سفر التكوين، الذي يشتمل على خمسين إصحاحاً، إلى أربعة أقسام رئيسية (بحسب مضمون المصدر، ص ٣٠):
إن الإصحاح الأول الذي بين أيدينا اليوم هو - إذاً - الحجر الأول في هذا البناء الشامخ، والباب الذي منه ندخل إلى كل ما سيأتي بعده من قصة الخليقة والسقوط والفداء.
٥. لماذا نبدأ بسفر التكوين؟
نبدأ دراستنا بسفر التكوين لأنه حجر الأساس لكل الكتاب المقدس. فكل ما سيأتي لاحقاً من وعود وأنبياء ورموز وشرائع، إنما يُبنى على ما ورد في هذا السفر عن الله الخالق، وعن الإنسان المخلوق على صورته، وعن سقوط الإنسان ووعد الخلاص.
ويشرح لنا الأب أنطونيوس فكري أن العهد القديم كله يشرح فكرة الخلاص بوصفه "خليقة جديدة" للإنسان، إذ إن الإنسان الذي مات بالخطية يُخلق مرة أخرى خلقة جديدة في المسيح (بحسب مضمون تفسيره، مستشهداً بـ٢كو ٥: ١٧ وغلاطية ٦: ١٥). فمن غير فهم الخليقة الأولى في تكوين الإصحاح الأول، لا يمكننا أن نُقدّر عمق معنى الخليقة الجديدة التي صنعها المسيح لنا.
هناك سبب آخر وجيه للبدء بهذا السفر بالذات: فهو، كما تصفه "موسوعة الخادم القبطي"، أول أسفار موسى الخمسة (التوراة)، التي أجمع عليها شهود العهدين القديم والجديد والتقليد اليهودي والمسيحي معاً بأنها الأساس الذي بُنيت عليه سائر أسفار الشريعة (بحسب مضمون المصدر، ص ٢٥-٢٧).
ولعل أعمق سبب لالتفاتنا إلى الإصحاح الأول بالذات هو أنه يُجيب على سؤال يشغل كل إنسان مهما اختلف زمانه أو ثقافته: من أين أتى هذا العالم؟ فقد كانت شعوب الشرق الأدنى القديم، التي عاش بينها بنو إسرائيل، تروي عن نشأة الكون أساطير تجعل الآلهة متعددة، متصارعة فيما بينها، بعضها ذكر وبعضها أنثى، ينشأ الكون فيها أحياناً من صراع دموي بين الآلهة أو من أجزاء جسد إله مقتول. أما سفر التكوين، فيقدّم صورة مغايرة تماماً: إله واحد، بلا شريك ولا صراع، يخلق بكلمته وحدها، في نظام وسلام تام (بحسب مضمون رأينا المحبة ج٢، القمص أنطونيوس كمال حليم والدكتورة إيفون جرجس، الفصل الأول "أساطير نشأة الكون"). لسنا هنا بصدد دراسة تلك الأساطير أو مقارنتها التفصيلية بالكتاب المقدس، فهذا خارج عن غرض جلستنا، لكن يكفينا أن نلاحظ - ونحن نبدأ بهذا السفر - أن الوحي الإلهي جاء ليقدّم لشعب الله، ولنا نحن اليوم، الحق الواحد وسط بحر من الأفكار البشرية المتضاربة عن أصل الكون ومصيره.
ولذلك، فإننا إذ نبدأ اليوم بالإصحاح الأول من سفر التكوين، إنما نضع أقدامنا على أول درجة في سلّم طويل يصعد بنا، عبر كل الكتاب المقدس، إلى شخص ربنا يسوع المسيح.
٦. قراءة الإصحاح الأول من سفر التكوين
لنستمع الآن معاً بخشوع إلى كلمة الله كما وردت في الإصحاح الأول من سفر التكوين، مع أول ثلاث آيات من الإصحاح الثاني التي تُكمل قصة الخليقة بذكر يوم الراحة:
٧. شرح مفصّل للإصحاح الأول
سنعبر الآن معاً، آية بعد آية تقريباً، خلال أيام الخليقة الستة، ثم نصل إلى بركة اليوم السابع. سأحاول في كل موضع أن أميّز لكم بوضوح: ما هو النص الكتابي نفسه، وما هو الفهم الأرثوذكسي والآبائي له، وما هي التطبيقات الروحية التي تنبع منه. وأكرر ما قلناه في المقدمة: لسنا هنا في درس علوم، بل في درس عبادة وتسبيح.
١. "في البدء خلق الله السماوات والأرض" (تك ١: ١)
هذه الآية الافتتاحية القصيرة تحمل من اللاهوت أكثر مما تحمله مجلدات كاملة. يشرح لنا القديس باسيليوس الكبير أن كلمة "البدء" هنا لا تعني بداية زمنية بمعنى لحظة داخل الزمن، بل هي إعلان أن كل ما هو موجود، بما في ذلك الزمن نفسه، له بداية، وأن هذه البداية هي الله وحده (بحسب مضمون المصدر - القديس باسيليوس الكبير، عظات الهكسائيمرون). العالم إذن ليس أزلياً كما ظن بعض الفلاسفة القدماء، والمادة ليست إلهاً مساوياً لله، بل كل شيء - بما فيه الزمن والمكان والمادة - هو مخلوق، والله وحده هو غير المخلوق، الأزلي، الكائن قبل كل بدء.
القديس أثناسيوس الرسولي، في مقالته الشهيرة "تجسد الكلمة"، يعلّمنا أن الله لم يخلق العالم من مادة سابقة الوجود، كما يفعل الصانع البشري الذي يشكّل الخشب أو الحجر، بل خلق كل شيء من العدم بكلمته وحكمته (بحسب مضمون المصدر). هذا فارق جوهري بين إيمان الكنيسة وبين أي فلسفة تقول إن الله مجرد "منظّم" لمادة أزلية موجودة مسبقاً. الله وحده يعطي الوجود.
ويربط القديس إيرينيؤس أسقف ليون بين هذه الآية وعمل الله في الخلقة الجديدة، إذ يقول إن الله صنع الإنسان "بيديه" - ويقصد بـ"اليدين" الابن والروح القدس، كلمة الله وحكمته العاملين معه منذ البدء (بحسب مضمون المصدر - إيرينيؤس، في التبشير الرسولي، الفصل ١١، ص ٤٦-٤٧). فمنذ الآية الأولى في الكتاب المقدس، الثالوث القدوس حاضر وعامل: الآب يخلق، بكلمته (الابن) وبروحه (الروح القدس)، كما سنرى بوضوح أكبر في الآية التالية.
من الناحية الرعوية، أحب أن أسألكم: هل ما زلتم تتعجبون من هذه الحقيقة؟ أن كل ما نراه - الشمس، النجوم، البحار، الجبال، أنتم أنفسكم - لم يكن له وجود، ثم صار موجوداً بمحض إرادة الله ومحبته؟ هذا التعجب، أيها الأحباء، هو بداية العبادة الحقيقية.
٢. "وكانت الأرض خَرِبَةً وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرفّ على وجه المياه" (تك ١: ٢)
هنا يصف لنا الكتاب حالة الخليقة في أول لحظاتها: مادة غير مُشكَّلة، مظلمة، مغمورة بالمياه. ثم فجأة نقرأ عبارة مليئة بالمعنى: "وروح الله يرفّ على وجه المياه". الفعل العبري المستخدم هنا يصوّر حركة رقيقة، كحركة الطائر الذي يرفرف فوق فراخه ليحضنها ويدفئها ويحميها (بحسب مضمون المصدر). فالروح القدس هنا ليس غائباً عن عمل الخلقة، بل حاضر منذ اللحظة الأولى، يحتضن الخليقة بمحبة كأم تحتضن وليدها.
يشرح لنا القمص تادرس يعقوب ملطي أن هذا المشهد - الروح يرف على المياه - هو نبوة رمزية عن سرّ المعمودية: كما رفّ روح الله على مياه الخليقة الأولى ليُخرج منها حياة، هكذا يرفّ روح الله على مياه المعمودية ليُخرج منها الخليقة الجديدة، الإنسان المولود من الماء والروح (بحسب مضمون المصدر). وقد استخدم آباء كثيرون هذا الربط عبر التاريخ - منهم ترتليان وإكليمنضس السكندري والقديس كيرلس الأورشليمي والقديس جيروم والقديس باسيليوس الكبير والقديس أمبروسيوس - كل بأسلوبه، ليقول إن المياه التي كانت في البدء أداة لبدء الخليقة الأولى، صارت في العهد الجديد أداة لبدء الخليقة الجديدة في المسيح (بحسب مضمون المصدر).
هذا يفتح أمامنا نافذة جميلة: الكتاب المقدس كله كتاب واحد، تتردد فيه ذات الأصداء من سفر التكوين إلى سفر الرؤيا. ما تفعلونه كل مرة تحضرون فيها قداساً وتتذكرون معموديتكم، أو حين تُدعَون لتكونوا شهود معمودية لطفل، إنما هو امتداد لهذا المشهد الأول: روح الله يرفّ، ليهب حياة جديدة.
٣. اليوم الأول: "ليكن نور" (تك ١: ٣-٥)
"وقال الله: ليكن نور، فكان نور". هذه أول كلمة ينطق بها الله في الكتاب المقدس مباشرة، وهي كلمة خلق. يلاحظ العلماء والمفسرون منذ القدم ملاحظة مهمة: الله يخلق النور في اليوم الأول، بينما لا يخلق الشمس والقمر والنجوم إلا في اليوم الرابع. هذا يعني أن النور الذي نتحدث عنه هنا ليس بالضرورة نور الشمس بالمعنى الذي نعرفه، بل هو - بحسب كثير من الآباء - نور أعم وأشمل، إعلان لحضور الله ذاته الذي "يسكن في نور لا يُدنى منه" (١ تي ٦: ١٦).
القديس يوحنا ذهبي الفم يتوقف طويلاً عند هذه النقطة في عظاته على سفر التكوين، ويحذّرنا بشدة من الانشغال بالسؤال "كيف كان هناك نور بلا شمس؟" وكأنه سؤال علمي يستدعي جدلاً فلسفياً، ويقول لنا بدل ذلك أن ننظر إلى قدرة الله المطلقة: فالله الذي خلق النور دون شمس، قادر أيضاً أن يجعل الشمس نفسها مصدراً للنور بعد ذلك، لأن العطية ليست في الأداة بل في الواهب (بحسب مضمون المصدر - القديس يوحنا ذهبي الفم، العظة الثالثة على سفر التكوين، ص ٤٣-٤٥). ثم يضيف ذهبي الفم ملاحظة رعوية جميلة جداً: إن الله يتنازل في كلامه معنا (وهو ما يسميه بـ"مبدأ التنازل" - synkatabasis) ليصف الخليقة بلغة بسيطة يفهمها كل إنسان في كل زمان، لا بلغة علمية معقدة، لأن الغاية ليست تعليمنا الفلك بل تعليمنا معرفة الخالق (بحسب مضمون المصدر).
هذه بالضبط هي روح هذا الدرس أيضاً: لن ندخل في جدل حول "كيف بالضبط" حدثت هذه الأمور من الناحية الفيزيائية، فهذا ليس هدف السفر المقدس. الكتاب المقدس ليس كتاب فيزياء أو فلك، بل هو إعلان عن "من" خلق، و"لماذا" خلق، لا شرح تفصيلي عن "كيف". من أراد أن يتعمق في الأسئلة العلمية فله ذلك في مجاله الخاص، لكننا هنا، في هذا اللقاء الكتابي، نقف أمام النص لنتعبد لا لنتجادل علمياً.
وللنور هنا أيضاً بُعد مسيحاني عميق سنعود إليه بالتفصيل في قسم "التفسير المسيحاني" أدناه: فالقديس يوحنا الإنجيلي يفتتح إنجيله بصدى واضح لهذه الآية: "فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس... كان النور الحقيقي الذي يُنير كل إنسان آتياً إلى العالم" (يو ١: ٤ و٩). النور الذي يشرق في اليوم الأول من الخليقة هو - بحسب فهم الكنيسة - رمز وسابق إشارة للنور الحقيقي الذي هو المسيح نفسه.
ثم يفصل الله "بين النور والظلمة"، ويسمي النور نهاراً والظلمة ليلاً. ويلاحظ ذهبي الفم أن الله لم يخلق الظلمة كقوة مضادة له (كما تعلّم بعض الهرطقات الثنائية القديمة)، بل الظلمة هنا هي ببساطة غياب النور، وليست كياناً مستقلاً يصارع الله (بحسب مضمون المصدر). لا يوجد في اللاهوت المسيحي إله للنور وإله للظلمة يتصارعان؛ يوجد إله واحد خالق كل شيء، ونظام يضعه هو بحكمته.
٤. اليوم الثاني: الجَلَد (تك ١: ٦-٨)
في اليوم الثاني يفصل الله "بين المياه التي تحت الجَلَد والمياه التي فوق الجَلَد"، ويسمي الجَلَد سماء. هذه الآية من الآيات التي يصفها الكتاب بلغة "الظاهر" كما يراها الإنسان القديم - قبة تفصل بين مياه علوية (المطر) ومياه سفلية (البحار والأنهار). ليس المقصود هنا تعليمنا فيزياء الغلاف الجوي، بل تعليمنا أن كل عنصر من عناصر الطبيعة - حتى السماء التي كانت تُعبَد كإله في بعض الحضارات القديمة المحيطة بإسرائيل - هو مجرد مخلوق، خاضع لأمر الله، لا إله مستقل. هذا في ذاته إعلان لاهوتي قوي ضد الوثنية المحيطة: لا الشمس ولا القمر ولا السماء آلهة، بل كلها من صنع يدي الله الواحد.
٥. اليوم الثالث: اليابسة والنبات (تك ١: ٩-١٣)
يأمر الله المياه أن تجتمع لتظهر اليابسة، ثم يأمر الأرض أن "تُنبت عشباً وبقلاً... وشجراً ذا ثمر". يلاحظ القديس يوحنا ذهبي الفم أن الله لم يخلق النبات مباشرة بكلمة واحدة فقط، بل أعطى الأرض نفسها القدرة على أن "تُنبت" - أي جعلها شريكة، بمعنى ما، في عمل الخلق المستمر، إذ منحها قوة داخلية للإثمار (بحسب مضمون المصدر - العظة الخامسة على سفر التكوين). هذا يعلّمنا شيئاً عن تواضع الله: هو خالق كل شيء، لكنه لا يستنكف أن "يستخدم" خليقته ذاتها كأداة لعمله، وهذا نمط سنراه يتكرر عبر كل الكتاب المقدس - الله يعمل من خلال البشر، ومن خلال الطبيعة، لا بمعزل عنها.
ويرى كل من الأب أنطونيوس فكري والأرشيدياكون نجيب جرجس في تفسيريهما أن ظهور النبات في اليوم الثالث - قبل خلقة الإنسان - هو تعبير عن عناية الله السابقة: الله يُعِدّ المائدة (الغذاء) قبل أن يخلق من سيأكل عليها (بحسب مضمون المصدر). هذا نمط تدبيري نراه أيضاً حين نتأمل في اليوم الثالث بمنظار مسيحاني أعمق، كما سنرى لاحقاً.
٦. اليوم الرابع: الأنوار العظيمة (تك ١: ١٤-١٩)
في اليوم الرابع تُخلق الشمس والقمر والنجوم، وتوصف وظيفتها بوضوح: "لتكون لآيات وأوقات وأيام وسنين... لتنير على الأرض". من المهم أن نلاحظ أن الكتاب المقدس يتعمّد ألا يسمي الشمس والقمر بأسمائهما المباشرة، بل يصفهما بـ"النور الأكبر" و"النور الأصغر". لماذا؟ لأن الشعوب المحيطة بإسرائيل - المصريون والبابليون وغيرهم - كانوا يعبدون الشمس والقمر كآلهة، ولهما أسماء إلهية (مثل "رع" في مصر القديمة). فبتجنّب تسميتهما، يعلن سفر التكوين بوضوح: الشمس والقمر ليسا إلهين، بل مجرد "نورين"، مخلوقين، خاضعين لله وحده، ووظيفتهما أن "تخدما" الأرض بالإنارة وضبط الأزمنة، لا أن تُعبَدا. هذا إعلان لاهوتي ورعوي بالغ الأهمية لشعب كان محاطاً بعبادة الكواكب من كل جانب، وما زال معناه حياً لنا اليوم: كل ما نراه من عظمة في الكون هو خادم لنا بتدبير الله، لا سيد نخضع له أو نخافه.
٧. اليوم الخامس: الحياة في المياه والسماء (تك ١: ٢٠-٢٣)
تبدأ الحياة الحيوانية بالمخلوقات المائية والطيور. يلاحظ المفسرون أن الله هنا "يبارك" هذه المخلوقات لأول مرة: "وباركها الله قائلاً: أثمري واكثري". هذه أول بركة إلهية مذكورة في الكتاب المقدس، وهي بركة الإثمار والامتلاء - علامة أن الحياة، من أول لحظاتها، هي عطية محبة من الله تحمل في داخلها بذرة الاستمرار والنمو.
٨. اليوم السادس: الحيوانات البرية وخلقة الإنسان (تك ١: ٢٤-٣١)
يبدأ اليوم السادس بخلقة الحيوانات البرية، ثم - في ذروة أيام الخليقة كلها - يأتي خلق الإنسان. لاحظوا معي التحوّل في أسلوب الكتاب هنا: في كل الأيام السابقة، يقول الله "ليكن" أو "تُخرج الأرض" أو "تُخرج المياه"، أما هنا فيقول الله: "نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا". هناك توقّف، تأمّل، مشورة إلهية داخلية قبل خلق الإنسان، لا توجد قبل خلق أي مخلوق آخر.
يشرح لنا القديس باسيليوس الكبير هذا التحوّل بعمق: بينما خُلقت بقية المخلوقات بأمر مباشر بلا مقدمات، فإن خلقة الإنسان سبقتها هذه "المشورة" الإلهية - "نعمل" بصيغة الجمع - وهذا في نظره إعلان مبكر عن سرّ الثالوث القدوس العامل معاً في خلقة الإنسان (الآب والابن والروح القدس)، وفي نفس الوقت تعبير عن الكرامة الفريدة التي أعطاها الله للإنسان دون سائر المخلوقات: فالله "يتشاور" - إن جاز التعبير - قبل أن يصنع هذا الكائن الذي سيحمل صورته (بحسب مضمون المصدر - باسيليوس الكبير، عن أصل الإنسان، الخطاب الأول، ص ٣٢-٣٣). سنعود لهذا بتفصيل أوسع في القسم القادم المخصص لصورة الله ومثاله.
ثم في نهاية اليوم السادس، بعد أن يخلق الله الإنسان ويباركه ويعطيه الطعام، نقرأ عبارة مختلفة عن كل ما سبق: ليس فقط "ورأى الله ذلك أنه حسن" كما تكرر في الأيام السابقة، بل "ورأى الله كل ما عمله، فإذا هو حسن جداً" (تك ١: ٣١). يشرح لنا القديس يوحنا ذهبي الفم في عظته العاشرة أن هذه العبارة تشمل كل الخليقة معاً كمنظومة متكاملة - بما في ذلك الأشياء التي قد نظنها نحن "غير مريحة" أو "ضارة" في نظرتنا المحدودة - لأن الله ينظر إلى الخليقة كلها من منظور حكمته الكاملة، لا من منظورنا الجزئي المحدود (بحسب مضمون المصدر - العظة العاشرة على سفر التكوين، ص ١٣٦-١٣٧). هذه دعوة لنا لنثق بحكمة الله حتى في الأمور التي لا نفهم "لماذا" هي موجودة.
٩. اليوم السابع: بركة الراحة (تك ٢: ١-٣)
يختتم سفر التكوين قصة الخليقة بمشهد فريد: الله "يستريح" في اليوم السابع، ويباركه ويقدّسه. من الواضح أن الله - غير المحدود بالتعب - لا "يستريح" بمعنى استعادة القوى المُنهَكة، بل هذه "راحة" من نوع آخر: راحة الاكتمال، راحة من أتمّ عمله وتأمّل في جماله وحسنه (بحسب مضمون المصدر). ويربط الأرشيدياكون نجيب جرجس هذه الراحة بمفهوم أعمق سنتناوله في قسم الليتورجيا: أن راحة السبت في العهد القديم تجد كمالها في "السبت الحقيقي" - يوم راحة المسيح في القبر يوم سبت النور، وقيامته المجيدة في اليوم الأول من الأسبوع، اليوم الذي صار عيد الكنيسة الأسبوعي، أحد القيامة (بحسب مضمون المصدر).
بهذا نكون قد عبرنا معاً خلال أيام الخليقة السبعة. والآن، لننتقل لنتأمل معاً بعمق أكبر فيما تكشفه هذه القصة عن شخص الله نفسه.
٨. الله الخالق - ماذا يكشف لنا الإصحاح الأول عن الله؟
بعد أن تأملنا في تفاصيل أيام الخليقة، دعونا نتوقف الآن لنسأل: ماذا تخبرنا هذه القصة، في جوهرها، عن الله نفسه؟ فسفر التكوين، كما قلنا، ليس كتاب علوم بل كتاب إعلان عن الله. وكتاب "من هو الله؟" للراهب صليب الصموئيلي، الذي يدرس تحديداً الإصحاحات الثلاثة الأولى من سفر التكوين ليجيب على هذا السؤال بعينه، يساعدنا أن نلخّص عدداً من الصفات الإلهية التي يكشفها هذا الإصحاح بوضوح، فلنتأملها معاً (بحسب مضمون المصدر):
١. الله واحد، لا شريك له
من أول آية إلى آخر آية في الإصحاح، الفاعل الوحيد هو "الله" - لا صراع بين آلهة متعددة كما في أساطير الشعوب القديمة المحيطة بإسرائيل (كأسطورة الخلق البابلية "إينوما إليش" التي تصوّر الخلق كنتيجة معركة بين آلهة). هنا، إله واحد يتكلم فيكون. هذا إعلان جذري عن التوحيد وسط عالم كان غارقاً في تعدد الآلهة.
٢. الله ثالوث في وحدانية
وفي الوقت نفسه، وكما رأينا في الآية الثانية ("روح الله يرف") وفي آية "نعمل الإنسان" (١: ٢٦)، هذا الإله الواحد ليس أُحادي الشخص بمعنى جامد، بل هو ثالوث أقانيم: الآب يتكلم ويأمر، والكلمة (الابن) بها يكون كل شيء ("بالكلمة كان كل شيء" - يو ١: ٣)، والروح القدس يرفّ ويحيي. القديس باسيليوس الكبير يرى في صيغة الجمع "نعمل" أوضح إشارة إلى هذا السرّ الثالوثي المُعلَن منذ سفر التكوين، وإن كان بشكل مقنّع لم يتضح كماله إلا بمجيء المسيح (بحسب مضمون المصدر).
٣. الله يخلق بالكلمة، لا بجهد أو صراع
"وقال الله: ليكن... فكان". ليس هناك جهد، ولا معركة، ولا مادة يقاومها الله كما في الأساطير الوثنية. كلمة واحدة تكفي. هذا يعلن قدرة الله المطلقة وسيادته الكاملة على كل ما هو موجود.
٤. الله خيّر، وخليقته "حسنة"
تتكرر عبارة "ورأى الله ذلك أنه حسن" سبع مرات عبر الإصحاح، لتبلغ ذروتها في "حسن جداً" في نهاية اليوم السادس. هذا يعلمنا أن الله ليس مجرد قوة قادرة، بل هو أيضاً صالح ومحب، وأن كل ما خلقه - المادة، الجسد، العالم المنظور - هو خيّر بطبيعته، لا شرّير كما زعمت بعض الفلسفات والهرطقات القديمة (كالغنوسية) التي احتقرت المادة والجسد. هذا أساس لاهوتي مهم جداً لفهمنا اللاحق للتجسد: فابن الله لم يستنكف أن يأخذ جسداً مادياً، لأن المادة التي خلقها أبوه "حسنة جداً".
٥. الله يخلق بترتيب وحكمة، لا بفوضى
كل يوم يبني على ما قبله بترتيب منطقي متصاعد: النور، ثم الفصل بين المياه، ثم اليابسة والنبات، ثم الأنوار لضبط الأزمنة، ثم الحياة المائية والطائرة، ثم الحياة البرية والإنسان. هذا ترتيب يعكس حكمة الله، لا عشوائية. والقديس إيرينيؤس يضيف بُعداً جميلاً هنا: الله لم يخلق بواسطة ملائكة أو وسطاء أدنى منه، كما زعمت بعض التعاليم الهرطوقية، بل "بيديه" - أي بالابن والروح مباشرة، لأنه لا يحتاج إلى من يعاونه، وهو قريب من خليقته منذ اللحظة الأولى (بحسب مضمون المصدر - إيرينيؤس، في التبشير الرسولي، ف ١١، ص ٤٦-٤٧).
من الناحية الرعوية: كل هذه الصفات - الوحدانية، الثالوث، القدرة، الصلاح، الحكمة - ليست معلومات نظرية نحفظها، بل هي أساس لثقتنا وعبادتنا. الإله الذي خلقنا هو إله واحد لا ينازعه أحد، محب لا يخلق شراً، حكيم لا يخطئ في تدبيره، وقريب منا بابنه وروحه منذ البدء. فلنتقدم إليه بثقة كاملة.
٩. صورة الله ومثاله
نصل الآن إلى واحدة من أعمق وأغنى الحقائق في كل الكتاب المقدس: "وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا... فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه" (تك ١: ٢٦-٢٧). هذه الآية وحدها كانت وما زالت موضوع تأمل لا ينضب عند آباء الكنيسة، فلنغُص معاً في بعض ما كتبوه.
١. لماذا "نعمل" بصيغة الجمع؟
كما ذكرنا، يرى القديس باسيليوس الكبير أن هذه الصيغة الجمعية ("نعمل... صورتنا... كشبهنا") ليست مجرد أسلوب ملكي كما يظن البعض، بل هي مشورة إلهية حقيقية بين أقانيم الثالوث، تُظهر أن خلقة الإنسان عمل يستحق تأملاً وتشاوراً خاصاً لم يُذكر مثله في خلقة أي مخلوق آخر (بحسب مضمون المصدر - عن أصل الإنسان، الخطاب الأول، ص ٣٢-٣٣). هذا في ذاته يخبرنا عن قيمة الإنسان الفريدة في نظر خالقه.
٢. ما معنى "الصورة"؟ - قراءة القديس باسيليوس
يوضح باسيليوس الكبير أن "الصورة" ليست شكلاً جسدياً - فالله روح لا جسد له - بل هي في النفس العاقلة: في العقل، والإرادة الحرة، والقدرة على المعرفة والمحبة. الإنسان يشبه الله لا في هيئته الخارجية بل في كونه كائناً عاقلاً حراً قادراً على المعرفة والشركة مع خالقه، وهذا ما يميّزه عن سائر الحيوانات التي، مهما بلغت من الذكاء الغريزي، لا تملك هذه الحرية العاقلة والقدرة على معرفة الله والشركة معه (بحسب مضمون المصدر، ص ٣٣-٣٧).
٣. "الصورة" و"الشبه" - تمييز آبائي
لاحظ كثير من الآباء تمييزاً دقيقاً بين كلمتي "صورة" (Image) و"شبه" (Likeness) في هذه الآية. فبينما "الصورة" هي عطية أُعطيت للإنسان منذ خلقته - عقله وحريته وقدرته على المعرفة - فإن "الشبه" هو دعوة ونمو مستمر: أن يصير الإنسان، بتعاونه مع نعمة الله، مشابهاً أكثر فأكثر لصفات الله من قداسة ومحبة وبر. الأب أنطونيوس فكري والأرشيدياكون نجيب جرجس، في تفسيريهما، يذكران عدداً من "علامات الشبه بالله" التي يحملها الإنسان: القداسة، المعرفة، الإرادة الحرة، السيادة (التسلط)، والخلود (بحسب مضمون المصدر). هذه ليست صفات ثابتة نهائية، بل عطايا مدعوّون لننميها طوال حياتنا الروحية، حتى - كما يقول القديس بطرس الرسول - "نصير شركاء الطبيعة الإلهية" (٢ بط ١: ٤).
٤. أوريجينوس والقديس أغسطينوس: مثال العملة
يستخدم أوريجينوس، وينقل عنه القمص تادرس ملطي، تشبيهاً جميلاً: كما تحمل العملة صورة الملك المنقوشة عليها، هكذا يحمل الإنسان صورة الله المنقوشة في أعماق نفسه (بحسب مضمون المصدر). وهذا التشبيه له صدى مباشر في كلمات ربنا يسوع نفسه حين سُئل عن الجزية: "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله" (مت ٢٢: ٢١) - فكما أن العملة التي تحمل صورة قيصر تُرَدّ لقيصر، فالإنسان الذي يحمل صورة الله ينبغي أن يُرَدّ حياته كلها لله. وقد أضاف القديس أغسطينوس إلى هذا التأمل بعداً آخر: أن هذه "الصورة" تُشوَّه بالخطية كعملة تآكلت نقوشها، لكنها لا تُمحى كلياً، وتحتاج إلى تجديد (بحسب مضمون المصدر).
٥. القديس أثناسيوس: اللوحة التي احتاجت لتُرمَّم
من أجمل الصور التي يقدمها لنا القديس أثناسيوس الرسولي في مقالته "تجسد الكلمة" (الفصول ١١-١٤) هي صورة اللوحة الفنية: حين يرسم فنان لوحة، ثم تتلف بمرور الزمن أو تتسخ أو تُشوَّه، فإن أفضل من يستطيع إعادة رسمها بدقة هو الفنان نفسه، لأنه يملك النموذج الأصلي في ذهنه. هكذا الإنسان، الذي خُلق على صورة الله، شوّهت الخطية فيه هذه الصورة، فجاء الابن - "صورة الله غير المنظور" (كو ١: ١٥) كما يسميه بولس الرسول - ليتجسد ويرسم فينا من جديد صورته، لأنه هو النموذج الأصلي الذي على مثاله خُلقنا منذ البدء (بحسب مضمون المصدر). هذا الربط بين سفر التكوين والتجسد سنعود إليه بتفصيل أكبر في القسم القادم.
٦. القديس إيرينيؤس: الصورة هي صورة الابن
يضيف القديس إيرينيؤس بُعداً دقيقاً ومهماً: حين يقول الله "على صورتنا"، فإن "الصورة" التي على مثالها خُلق الإنسان هي تحديداً صورة الابن، كلمة الله، الذي هو نفسه "صورة الله" الكاملة الأزلية. ولذلك فإن غاية الخلقة الأصلية كانت أن يصير الإنسان، بالنعمة، على مثال الابن نفسه - وهذا ما يتحقق فعلياً حين يتحد الإنسان بالمسيح (بحسب مضمون المصدر - إيرينيؤس، في التبشير الرسولي، ف ٢٢، ص ٥٤).
٧. القديس يوحنا ذهبي الفم: الصورة هي السيادة والتدبير
يقدّم لنا ذهبي الفم قراءة تكميلية أخرى: هو يربط "الصورة" مباشرة بما يلي الآية، وهو التسلط والسيادة على الخليقة ("فيتسلطون على سمك البحر..."). فالإنسان يحمل صورة الله بمعنى أنه، مثل الله، له سلطان وتدبير على ما هو أدنى منه - ليس كطاغية مستبدّ، بل كوكيل أمين يدير خليقة الله بحكمة ومسؤولية، تماماً كما يدبّر الله خليقته كلها برعاية ومحبة (بحسب مضمون المصدر - العظة الثامنة على سفر التكوين، ص ١١٠-١١١).
٨. تحذير من إساءة استخدام هذه الحقيقة
يشير القمص تادرس ملطي أيضاً، في سياق حديثه عن صورة الله في الإنسان، إلى أن إنكار بعض الفلسفات الحديثة لوجود الله (كما عند بعض المفكرين الملحدين) غالباً ما ينبع من رفض فكرة أن يكون هناك من هو أعلى من الإنسان يحاسبه، بينما الحقيقة أن معرفتنا أننا "صورة الله" لا تُهين كرامتنا بل تؤسسها، فهي مصدر كرامتنا الحقيقية لا تهديداً لها (بحسب مضمون المصدر). لن نطيل هنا في نقاش فلسفي، فهذه مجرد إشارة عابرة تقودنا للتسبيح لا للجدل، تماماً كما اتفقنا في مقدمة هذا الدرس.
خلاصة رعوية
أيها الأحباء، تخيلوا معي: حين تنظرون في المرآة، أو حين تنظرون إلى أي إنسان آخر - مهما كانت خلفيته، أو حالته، أو حتى خطاياه - فأنتم تنظرون إلى من يحمل صورة الله. هذا يجب أن يغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا (فلا نحتقر ذواتنا مهما أخطأنا، لأن الصورة لا تُمحى)، والطريقة التي ننظر بها إلى الآخرين (فلا نُهين ولا نُقلل من قيمة أي إنسان، مهما اختلفنا معه). هذا هو أساس كل تعليم الكنيسة عن كرامة الإنسان.
١٠. قراءة مسيحانية وأرثوذكسية للإصحاح الأول
الكنيسة الأرثوذكسية، منذ أقدم عصورها، لم تقرأ سفر التكوين كسجل تاريخي منفصل عن باقي الكتاب المقدس، بل كفصل أول في قصة واحدة متكاملة، محورها ومركزها هو المسيح نفسه. فلنتأمل معاً كيف يشير الإصحاح الأول - بطرق متعددة - إلى شخص ربنا يسوع المسيح.
١. "في البدء" - صدى في إنجيل يوحنا
لاحظتم بالتأكيد التشابه اللافت بين افتتاحية سفر التكوين ("في البدء خلق الله") وافتتاحية إنجيل يوحنا ("في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله... كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان" - يو ١: ١-٣). هذا ليس تشابهاً عابراً؛ فالقديس يوحنا الإنجيلي يتعمّد أن يبدأ إنجيله بنفس الكلمات الافتتاحية لسفر التكوين ليخبرنا بوضوح: الذي خلق العالم "في البدء" هو نفسه الكلمة الذي تجسد، يسوع المسيح. آباء مثل أوريجينوس والقديس ديديموس الضرير ربطوا بين "البدء" في سفر التكوين والمسيح نفسه، إذ إن المسيح هو "بدء" كل شيء، لا بمعنى أنه بدأ يوماً ما، بل بمعنى أنه هو الأساس والمصدر الذي به كان كل ما هو كائن (بحسب مضمون المصدر). فحين نقرأ "في البدء خلق الله"، نقرأ - بعيون الإيمان المسيحي - إشارة خفية للابن الأزلي الذي "به" خلق الآب كل شيء.
٢. "ليكن نور" - النور الحقيقي
كما رأينا، يربط القديس يوحنا ذهبي الفم بين نور اليوم الأول ونور المسيح "النور الحقيقي الذي يُنير كل إنسان" (يو ١: ٩). النور المخلوق في اليوم الأول - السابق لخلقة الشمس - هو، في القراءة الآبائية، رمز مسبق (نموذج) للنور غير المخلوق الذي هو المسيح نفسه، النور الذي لا يحتاج شمساً ليُضيء، لأنه هو مصدر كل نور.
٣. اليوم الثالث: الأرض تُثمر - رمز للقيامة والبتولية
يرى كل من الأب أنطونيوس فكري والأرشيدياكون نجيب جرجس في تفسيريهما رمزاً جميلاً في اليوم الثالث: الأرض "تُثمر" نباتاً دون بذرة بشرية أو مطر، بأمر الله وحده - وهذا يوازي في نظرهما ولادة السيد المسيح من العذراء مريم بلا زرع بشر، وكذلك يُذكّرنا بقيامة المسيح "في اليوم الثالث" من موته، إذ يخرج الحي من الموت كما يخرج النبات الحي من الأرض الجرداء (بحسب مضمون المصدر).
٤. اليوم الرابع: الأنوار العظيمة - رمز للمسيح والكنيسة والقديسين
يقدّم لنا الأب أنطونيوس فكري والأرشيدياكون نجيب جرجس أيضاً قراءة رمزية لليوم الرابع: "النور الأكبر" (الشمس) يُشار به إلى المسيح، شمس البر الحقيقية (ملا ٤: ٢)، و"النور الأصغر" (القمر) الذي يعكس نور الشمس دون أن يملك نوراً ذاتياً يُشار به إلى الكنيسة التي تعكس نور المسيح للعالم، والنجوم تشير إلى القديسين الذين يضيئون في سماء الكنيسة بحياتهم المقدسة (بحسب مضمون المصدر).
٥. اليوم الخامس: السمك - رمز مسيحي قديم
يشير الأرشيدياكون نجيب جرجس إلى أن المسيحيين الأوائل استخدموا رمز السمكة (الإكثوس) كرمز سرّي للمسيح والمؤمنين، إذ إن الحروف اليونانية لكلمة "سمكة" (ΙΧΘΥΣ) هي الحروف الأولى لعبارة "يسوع المسيح ابن الله المخلّص"؛ وكما تحيا الأسماك في الماء ولا تحيا خارجه، هكذا لا حياة للمؤمن إلا في مياه المعمودية وفي المسيح (بحسب مضمون المصدر).
٦. اليوم السادس: خلقة الإنسان في الساعة السادسة - رمز للصليب
من أعمق الرموز التي يذكرها الأب أنطونيوس فكري والأرشيدياكون نجيب جرجس: التقليد الكنسي يربط بين خلقة آدم في اليوم السادس (وبحسب تقليد قديم، في الساعة السادسة من ذلك اليوم) وبين صلب المسيح، آدم الثاني، في اليوم السادس من الأسبوع (يوم الجمعة) وفي الساعة السادسة أيضاً (بحسب التوقيت اليهودي القديم، أي حوالي الظهر)، حيث أكمل المسيح على الصليب عمل الخلاص كما أكمل الآب في اليوم السادس عمل الخليقة (بحسب مضمون المصدر). فكما خُلق الإنسان الأول في اليوم السادس، خُلق الإنسان الجديد (الخليقة المفدية) على الصليب في اليوم السادس أيضاً. هذا التوازي عزيز جداً على قلب الكنيسة القبطية التي تحيي أسبوع الآلام بعمق خاص كل عام.
٧. اليوم السابع: راحة الله - رمز لراحة المسيح في القبر وقيامته
كما أشرنا، يربط الأرشيدياكون نجيب جرجس بين راحة الله في اليوم السابع وراحة المسيح في القبر يوم سبت الفرح (سبت النور)، وقيامته المجيدة فجر الأحد - "اليوم الثامن" في الفهم اللاهوتي، أي بداية الخليقة الجديدة التي لا تنتهي، والتي تجاوزت حتى دورة الأيام السبعة الأولى (بحسب مضمون المصدر). ولذلك اختارت الكنيسة منذ العصر الرسولي أن يكون يوم الأحد - لا السبت - هو يوم عبادتها الأساسي، احتفالاً بالخليقة الجديدة في قيامة المسيح.
٨. صورة الله المُجدَّدة في المسيح
وأخيراً، وكما تأملنا في القسم السابق، فإن صورة الله التي شوّهتها الخطية في الإنسان تُستعاد وتُجدَّد في المسيح، "صورة الله غير المنظور" (كو ١: ١٥)، الذي به ومن خلاله نُخلق من جديد "خليقة جديدة" (٢ كو ٥: ١٧). فالإصحاح الأول من سفر التكوين ليس فقط قصة بداية، بل هو أيضاً - بعيون الإيمان - نبوّة عن نهاية ومصير: الله الذي خلق كل شيء "حسناً جداً" في البدء، هو نفسه الذي سيجدد كل شيء في المسيح، "سماوات جديدة وأرضاً جديدة" (رؤ ٢١: ١).
هذه هي روعة القراءة الأرثوذكسية للكتاب المقدس: لا نقرأ سفر التكوين بمعزل عن المسيح، بل نراه، من أول آية فيه، يشير إليه ويتلألأ بحضوره.
١١. روابط بالليتورجيا والتقليد الكنسي
إيماننا لا يُعاش فقط في العقل والدرس، بل يُعاش ويُحتفَل به في صلوات الكنيسة وتسابيحها وأسرارها. فلنتأمل كيف يظهر صدى سفر التكوين وقصة الخليقة في حياتنا الليتورجية القبطية.
١. الخليقة والمعمودية
كما رأينا، الرمز الأعمق الذي يربط بين قصة الخليقة والليتورجيا هو رمز الماء والروح: كما رفّ روح الله على مياه الخليقة الأولى ليُخرج منها حياة، يرفّ روح الله على مياه المعمودية في كل مرة تُقام فيها هذه الشركة المقدسة، ليُخرج منها إنساناً جديداً "مولوداً من الماء والروح" (يو ٣: ٥). هذا الربط - الذي شرحناه من خلال كتابات آباء عدة نقلها لنا القمص تادرس ملطي - حاضر بقوة في صلوات سرّ المعمودية القبطية، حين تُبارك المياه بحضور الروح القدس، تكراراً لعمل الروح في بدء الخليقة (بحسب مضمون المصدر).
٢. تسبحة كيهك والصوم المقدس
يشير القمص بيشوي كامل في مراجعه إلى أن تسبحة كيهك، بترانيمها العميقة عن العذراء مريم وتجسد الكلمة، تحمل صدى لاهوتياً لخلق النور واستنارة العالم، إذ يُنظر إلى تجسد المسيح كـ"نور جديد" أشرق على العالم كما أشرق النور الأول يوم الخليقة، وترنّم الكنيسة خلال هذه الفترة المباركة بعمق عن دور مريم العذراء "الأرض غير المحروثة" التي أثمرت بلا زرع بشري، وهذا صدى مباشر لرمزية اليوم الثالث الذي تأملنا فيه أعلاه (بحسب مضمون المصدر). كذلك تحمل صلوات أسبوع الآلام - كما أشرنا - ذلك الربط العميق بين اليوم السادس للخليقة واليوم السادس للفداء على الصليب.
٣. "سرّ الاستنارة"
يستخدم الأب أنطونيوس فكري في تفسيره تعبير "سرّ الاستنارة" ليصف كيف أن نور اليوم الأول، الذي هو رمز للمسيح، يستمر حضوره وعمله في حياة الكنيسة عبر الأسرار، وبخاصة سرّي المعمودية والميرون، حيث يُستنار المؤمن بنعمة الروح القدس (بحسب مضمون المصدر).
٤. من السبت إلى الأحد
كما ذكرنا، يشرح لنا الأرشيدياكون نجيب جرجس كيف انتقلت الكنيسة، منذ العصر الرسولي، من الاحتفال بيوم السبت (يوم راحة الخليقة الأولى) إلى الاحتفال بيوم الأحد (يوم القيامة، بداية الخليقة الجديدة)، وهذا هو الأساس اللاهوتي لكون القداس الإلهي في تقليدنا القبطي يُقام أساساً يوم الأحد، "يوم الرب"، احتفالاً أسبوعياً متجدداً بالقيامة وبالخليقة الجديدة في المسيح (بحسب مضمون المصدر).
هذا الربط الوثيق بين ما نقرأه في سفر التكوين وما نحياه في كنيستنا كل أسبوع، بل كل يوم، يجب أن يملأنا بعجب متجدد: نحن لا ندرس تاريخاً قديماً بعيداً عنا، بل ندرس جذور إيماننا الذي نحياه ونحتفل به الآن.
١٢. قصة أو قول من تراث الآباء
من كتاب "أقوال الآباء الروحيين" (The Sayings of the Holy Desert Fathers)، في الإصحاح السابع منه الذي يتحدث عن "الطاعة لله وللآباء والإخوة"، نقرأ القول رقم ٢٤٠ (بحسب مضمون القصة كما وردت في المصدر):
كان للأنبا سلوانس في برية شيهيت تلميذ اسمه مرقس، وكان هذا التلميذ يمتلك موهبة الطاعة إلى درجة عالية جداً، وكان كاتباً ماهراً، وكان الشيخ يحبه محبة خاصة بسبب طاعته، حتى إن باقي تلاميذه العشرة، بل والشيوخ الآخرين في البرية، تضايقوا لأنهم رأوا أن الشيخ يحب مرقس أكثر منهم. فجاءوا يوماً يعاتبونه على ذلك، فأخذهم الأنبا سلوانس وذهب معهم يطرق أبواب قلالي التلاميذ واحداً واحداً قائلاً: "يا أخي، اخرج، فإني بحاجة إليك"، فلم يستجب له أحد منهم بسرعة. فلما وصلوا إلى قلاية مرقس، طرق الباب وقال: "يا الأخ مرقس"، فما إن سمع مرقس صوت الشيخ حتى قفز فوراً وخرج، فأرسله الشيخ في مهمة. ثم دخل الشيوخ إلى قلاية مرقس فوجدوا الدفتر الذي كان يكتب فيه، ورأوا أنه كان قد بدأ يكتب حرف "الواو" اليوناني، فلما سمع صوت معلمه ترك الحرف ناقصاً ولم يُكمله، وخرج فوراً. عندئذ قال الشيوخ للأنبا سلوانس: "حقاً أيها الشيخ، نحن أيضاً نحب هذا الأخ الذي تحبه، لأن الله نفسه يحبه" (بحسب مضمون القصة).
كيف ترتبط هذه القصة بتكوين الإصحاح الأول؟ لاحظوا أن سفر التكوين كله مبني على نمط واحد متكرر: "وقال الله... فكان كذلك". الخليقة كلها، من النور إلى الإنسان، استجابت لكلمة الله فوراً وبلا تردد ولا مقاومة؛ فحين قال الله "ليكن نور، فكان نور" في اللحظة نفسها. هذه الطاعة الكونية للكلمة الإلهية هي ذاتها ما نراه متجسداً في شخص الأنبا مرقس، الذي لم ينتظر حتى يُكمل حرفاً واحداً كان يكتبه، بل ترك كل شيء واستجاب لصوت أبيه الروحي فوراً. وكما أن الخليقة الأولى قامت على طاعة الأمر الإلهي، فإن الخليقة الجديدة فينا - التي هي حياتنا مع الله - تقوم أيضاً على استعدادنا أن نستجيب لصوت الله بلا تأخير، حتى لو كلّفنا ذلك أن نترك عملاً لم نُكمله بعد.
وأحب أن أضيف هنا ملاحظة أخيرة: لاحظوا أن الشيوخ الذين اغتاظوا في البداية من محبة الأنبا سلوانس الخاصة لمرقس، لم يفهموا السبب إلا حين "رأوا" الطاعة بأعينهم. أحياناً نحن أيضاً نحتاج أن نرى، لا أن نُخبَر فقط، لكي نفهم لماذا تستحق الطاعة الفورية لله كل هذا الإكرام. فلنسأل الله أن يهبنا نحن أيضاً قلباً كقلب مرقس، مستعداً دوماً أن يترك كل شيء ليستجيب لصوته.
١٣. تطبيقات عملية
من هذا الإصحاح الغني، يمكننا أن نأخذ لأنفسنا تطبيقات عملية عديدة لحياتنا اليومية:
أولاً، لنتعلم أن نستجيب لصوت الله بسرعة الخليقة نفسها، لا أن نؤجل طاعة وصية سمعناها أو دعوة للتوبة شعرنا بها. كما لم تتردد الخليقة لحظة واحدة أمام كلمة الله، فلنطلب نعمة ألا نتردد نحن في طاعته.
ثانياً، بما أننا خُلقنا على صورة الله، فلنكرّم هذه الصورة في أنفسنا وفي كل إنسان نلتقيه، فلا نحتقر أحداً ولا نهين إنساناً يحمل صورة خالقه - مهما اختلفت خلفيته، أو تصرفه معنا، أو حتى خطاياه. كما تأملنا مع القديس أثناسيوس، هذه الصورة قد تُشوَّه لكنها لا تُمحى أبداً.
ثالثاً، كما فصل الله بين النور والظلمة، فلنسعَ نحن أيضاً إلى أن نكون "أبناء نور"، فنرفض كل ظلمة في أفكارنا وكلامنا وتصرفاتنا، ونختار ما هو من النور، ونحن نتذكر أن المسيح نفسه هو "النور الحقيقي" الذي دعانا لنسلك فيه.
رابعاً، كما أن الله جلب نظاماً جميلاً من الخراب والخلاء، فلنطلب نحن أيضاً في حياتنا هذا النظام الروحي، بدلاً من الفوضى في صلاتنا وصومنا وعلاقاتنا. فالله إله نظام لا فوضى، وحياتنا الروحية تنمو حين تُبنى بترتيب وانتظام، كما بُنيت أيام الخليقة الواحد فوق الآخر.
خامساً، وكما تأملنا مع القديس باسيليوس الكبير، فإن "السيادة" أو "التسلط" الذي أعطاه الله للإنسان على الخليقة ليس رخصة للاستغلال والتسلط الأناني، بل هو دعوة لتدبير أمين مسؤول، يحاكي عناية الله ذاته بخليقته. فلنسأل أنفسنا: هل نتعامل مع ما ائتمننا الله عليه - من موارد، وعلاقات، وحتى البيئة من حولنا - بروح الوكيل الأمين أم بروح الأناني المستغل؟
سادساً، لنشكر الله يومياً على نعمة الوجود والخليقة من حولنا، فكل ما خلقه الله "حسن جداً"، وواجبنا أن نراه بعيني الشكر لا بعيني الشكوى، حتى في الأمور التي لا نفهم حكمة وجودها، متذكرين تعليم القديس يوحنا ذهبي الفم أن حكمة الله تفوق فهمنا المحدود.
سابعاً، كما استراح الله في اليوم السابع، فلنطلب نحن أيضاً أن نخصص وقتاً حقيقياً للراحة مع الله - لا الراحة الجسدية فقط، بل الراحة التي تعني التوقف عن انشغالات العالم لنتأمل في عمل الله وجماله، تحضيراً وتذوقاً مسبقاً لراحتنا الأبدية معه.
١٤. أسئلة للمناقشة
١. ما الذي تعلمناه اليوم عن معنى عبارة "في البدء" في ضوء إنجيل يوحنا؟ وكيف يغيّر هذا الفهم نظرتنا لشخص المسيح؟
٢. كيف يساعدنا فهمنا لصورة الله فينا على معاملة الآخرين باحترام، حتى أولئك الذين يصعب علينا أن نحبهم؟
٣. في قصة الأنبا سلوانس وتلميذه مرقس، ما الذي أدهشك في طاعة مرقس؟ وهل يوجد في حياتك أمر تشعر أن الله يطلب منك أن تستجيب له فوراً؟
٤. كيف نطبق فكرة "الفصل بين النور والظلمة" في اختياراتنا اليومية - في أفكارنا، وكلامنا، وعلاقاتنا؟
٥. ما هو الفرق بين "الحسن" و"الحسن جداً" في وصف الله لخليقته، ولماذا قيلت هذه العبارة الأخيرة بعد خلقة الإنسان تحديداً؟
٦. تأملنا كيف يرى بعض الآباء في أيام الخليقة الستة رموزاً تشير للمسيح (النور، الإثمار بلا زرع، الشمس والقمر والنجوم، خلقة الإنسان في الساعة السادسة). أي واحد من هذه الرموز لمس قلبك أكثر، ولماذا؟
٧. الله "استراح" في اليوم السابع لا لأنه تعب، بل ليدعونا نحن للراحة معه. كيف تبدو "الراحة الحقيقية" مع الله في حياتك العملية هذا الأسبوع؟
٨. تحدثنا عن أن "السيادة" التي أعطاها الله للإنسان هي دعوة لتدبير أمين لا لتسلط أناني. أين في حياتك تحتاج أن تتذكر هذا المعنى - في عملك، في بيتك، في علاقاتك؟
١٥. تمرين روحي أسبوعي
خلال هذا الأسبوع، أدعوك أن تجرّب الآتي:
أولاً، كل صباح، عند استيقاظك، اذكر عبارة "في البدء خلق الله"، واشكر الله على يوم جديد وهبك إياه كخليقة جديدة، وقل بقلبك: "هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، نبتهج ونفرح فيه" (مز ١١٨: ٢٤).
ثانياً، خصص لحظة واحدة كل يوم تتأمل فيها في مظهر واحد من مظاهر الخليقة من حولك (السماء، النور، شجرة، إنسان تحبه)، وسبّح الله عليه بكلمات بسيطة من قلبك، متذكراً أن كل هذا "حسن جداً" في عيني خالقه.
ثالثاً، اختر شخصاً واحداً هذا الأسبوع تجد صعوبة في التعامل معه أو احترامه، وتذكّر أنه - مثلك تماماً - يحمل صورة الله، وصلِّ من أجله بهذا الفكر في ذهنك.
رابعاً، في نهاية الأسبوع، اقرأ الإصحاح الأول من سفر التكوين مرة أخرى ببطء وهدوء، ودوّن فكرة واحدة لمستها في قلبك، لتُحضرها معك إلى جلستنا القادمة.
١٦. صلاة ختامية
أيها الرب يسوع المسيح، يا نور العالم الحقيقي، ويا من به كان كل شيء وبدونه لم يكن شيء مما كان؛ نشكرك على هذه الساعة التي جمعتنا فيها حول كلمتك المقدسة، ونشكرك على كل كلمة سمعناها اليوم عن عظمة خلقتك ومحبتك.
كما فصلت النور عن الظلمة في بدء الخليقة، افصل في داخلنا بين كل نور وكل ظلمة، وثبّتنا في النور الذي هو أنت. وكما خلقتنا على صورتك ومثالك، جدد فينا هذه الصورة كل يوم بعمل روحك القدوس، لنصير خليقة جديدة فيك، ولنحمل في حياتنا اليومية علامات هذا الشبه: القداسة، والمعرفة، والإرادة الحرة الخاضعة لك بمحبة.
يا من نظرت إلى كل ما صنعت فإذا هو حسن جداً، اجعلنا نرى بعينيك محبتك في كل ما حولنا، ونشكرك في كل حين، لا في أيام الفرح فقط بل في أيام الضيق أيضاً، واثقين أن حكمتك تفوق فهمنا. وكما استرحت في اليوم السابع، امنحنا أن نتذوق راحتك الحقيقية وسط ضجيج هذا العالم، ونحن ننتظر السبت الأبدي في ملكوتك.
احفظ كل من حضر هذه الجلسة، وبارك بيوته وأعماله وأسرته، وامنحه نعمة أن يحمل معه كلمتك هذا الأسبوع، عاملاً بها لا سامعاً فقط. ولك المجد والكرامة والسجود، مع أبيك الصالح والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. بشفاعة والدة الإله القديسة العذراء مريم، وصلوات القديسين مار بطرس ومار أندراوس. آمين.
١٧. المراجع المستخدمة
























ما نراه في النص، وكيف يكتمل في المسيح.
للمناقشة والتأمل
- كيف تساعدني «صورة الله» على احترام من يصعب عليّ أن أحبهم؟
- كيف أفصل بين النور والظلمة في أفكاري وكلامي وعلاقاتي؟
- ما هي «الراحة الحقيقية» مع الله في أسبوعي هذا؟
تطبيق الأسبوع
- الكتاب المقدس، تكوين ١: ١ - ٢: ٣ (فان دايك)
- القمص تادرس يعقوب ملطي، تفسير سفر التكوين
- القمص أنطونيوس فكري، تفسير سفر التكوين
- الأرشيدياكون نجيب جرجس، تفسير سفر التكوين
- القديس أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة
- القديس باسيليوس الكبير، عن أصل الإنسان
- القديس يوحنا ذهبي الفم، عظات على سفر التكوين